الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٨٧٥
جَهْرَةً [النساء/ ١٥٣]، و نحو: توضّأ فغسل وجهه و يديه، و مسح رأسه و رجليه، و تقول: أجبته، فقلت: لبيك.
و كان المصنّف أشار باختيار الأية الأولى للتمثيل دون غيرها إلى عدم الاحتياج إلى ما ارتكبه الزمخشرىّ في الكشاف، فإنّه قال: أريد بالنداء إرادة النداء، و لو أريد النداء نفسه لجاء كما جاء قوله تعالى: إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا* قالَ رَبِ [مريم/ ٤ و ٣] بغير فاء، فأشار المصنّف إلى أنّه لا داعي لما ادّعاه من جعل نادى بمعنى أراد النداء، فإنّ هذا من قبيل عطف المفصّل على المجمل، و قال صاحب الانتصاف [١]: و يجوز وجه آخر لطيف المأخذ رقيق الحاشية، و هو أن يكون النداء على بابه، لكنّ المعطوف عليه مجموع النداء و ما بعده، فليس من عطف الشيء على نفسه، بل من عطف المجموع على أحد أجزائه، و هما متغايران، انتهى.
و قد تكون للترتيب الذكرى في غير ذلك كقوله تعالى: ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [غافر/ ٧٦]، و قوله تعالى: وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ [الزمر/ ٧٤]، فإنّ ذكر الشيء أو مدحه يصحّ بعد جري ذكره، و أنكر الفرّاء إفادتها الترتيب مطلقا. قال غير واحد: و هذا مع قوله: إنّ الواو تفيد الترتيب غريب، لكن قال العينيّ: و ما نسب إلى الفرّاء من أنّ الواو تدلّ على الترتيب غير صحيح، انتهى.
و سبقه إلى ذلك السيرافيّ، و قال: و لم أر ذلك فى كتاب الفرّاء، و احتجّ الفرّاء بقوله تعالى: أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً [الأعراف/ ٤]، إذ مجيئ البأس سابق على الإهلاك، و أجيب بأنّ المعنى أردنا إهلاكها أو هو على القلب، و الأصل جاءها بأسنا فأهلكناها، و جعلها الرضيّ من قبيل عطف المفصّل على المجمل، فالفاء للترتيب الذكرى، قال: لأنّ تبييت البأس تفصيل للإهلاك المجمل.
قال الجرميّ: لا تفيد الفاء الترتيب في البقاع و لا في الامطار بدليل قوله [من الطويل]:
٩٧٩- ...
بسقط اللّوى بين الدخول فحومل [٢]
و قولهم: مطرنا مكان كذا فمكان كذا، و إن كان وقوع المطر فيهما فى وقت واحد، و قيل: الفاء هنا بمعنى إلى، و ذهب بعضهم إلى أنّ الفاء تقع تارة بمعنى ثمّ، و
[١] - الانتصاف فى مسائل الخلاف لأبى سعيد محمد بن يحيى النيسابوريّ المتوفّى سنة ٥٤٨ ه. كشف الظنون، ١/ ١٧٤.
[٢] - تقدّم برقم ٥٤٥.