الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٨٥١
بأنّه لو كان كذلك لجاز النصب في الأوّل بتقدير يحصل أو يذكر بالبناء للفاعل، و الرفع في الثانى بتقدير يحصل أو يذكر بالبناء للمفعول، و لم يجز اتّفاقا.
و أمّا ما سمع من قول بعضهم: أمّا العبيد فذو عبيد، و أمّا قريشا فإنّا أفضلها بالنصب في الموضعين، فقال سيبويه: هى لغة خبيثة قليلة، قال: و مع ذلك فلا يجوز هذا النصب الضعيف في المعرّف، إلا إذا كان غير معيّن، ليكون في موضع الحال كما في الجماء الغفير، و أمّا إذا أردت بالعبيد عبيدا معينة، فلا يجوز فيه إلا الرفع، كما في قولك:
أمّا البصرة فلا بصرة لك، أمّا أبوك فلا أبا لك.
و ما وقع لابن هشام في المغنى من قوله: و في ذلك دليل على أنّه لا يلزم أن يقدّر مهما يكن من شيء، بل يقدّر غيره ممّا يليق بالمحلّ، إذ التقدير هاهنا مهما ذكرت فليس بشيء، لأنّ هذا المسموع الّذي استند إليه لغة خبيثة بنصّ سيبويه، فكيف يبنى عليه جواز التراكيب العربية، هذا مع أنّها محتملة للتخريج على خلاف ما ادّعاه.
و استشكل الرضيّ مذهب سيبويه في نصبه على الحال، و قال: بل هو مفعول به لما بعد الفاء، لأنّ معنى ذو عبيد أي تملكهم، و ذلك كما روى الكسائىّ أمّا قريشا فإنّا أفضلهم، أى أغلبهم فى الفضل.
القول الثالث: أنّه لم يكن ما بعد الفاء ما يمنع التقديم، فهو جزء ممّا في حيّز جزائها، نحو: أمّا يوم الجمعة فأنا مسافر، و إن كان نحو: أمّا اليوم فإنّي جالس، فهو معمول للفعل المحذوف، لأنّ أن لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، هذا قول سيبويه و المازنىّ و الجمهور.
و ردّ بأنّ الفاء للجزاء، و هى مانعة من عمل ما بعدها في ما قبلها، فالباب كلّه من هذا القبيل، فلا معنى للتفضيل، و لا يخفى أنّهم لا يخالفون في أنّ ما بعد فاء الجزاء لا يعمل فيما قبلها، لكنّهم أجازوه مع الفاء هنا دون غيرها من الموانع لما قاله سيبويه: إنّ ما جاز عمله بعد حذف أمّا و الفاعل فيما قبل و إلا فلا، ألا ترى أنّك لو حذفت أمّا و الفاء في قوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى/ ٩]، و قلت: اليتيم فلا تقهر، لكان جائزا بخلاف نحو: أمّا زيدا فإنّي ضارب، إذ لو حذفت أمّا و الفاء و قلت: زيدا أنّى ضارب لم يجز، لأنّه لا يجوز تقديم معمول خبر أنّ عليها، و كذا لا يجوز أمّا درهما فعندي عشرون، إذ المميّز لا يعمل فيما قبله.
قال ابن الحاجب: و الصحيح من هذه الأقوال الثلاثة هو الأوّل، و هو أنّ الواقع بعد أمّا و الفاء جزء من الجملة الواقعة بعد الفاء، قدّم عليها لغرض العوضيّة، و ذلك لأنّ وضعها لتفضيل الأنواع، و ما ذكر بعدها أحد الأنواع المتعدّدة، و ذكره باعتبار ما
مدنى، عليخان بن احمد، الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية، ١جلد، ذوي القربى - قم - ايران، چاپ: ١.