الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٨٥٠
أمّا كونه في معنى الشرط فظاهر، و أمّا وجه التوكيد فإنّه بمترلة التعليق بوجود شيء ما، لأنّ معنى مهما يكن من شيء أن يقع هذا أو ذاك إلى ما لا يحصى، و ما دامت الدنيا باقية، فلا بدّ من وقوع شيء فيها، فيكون المعنى أنّ ذهاب زيد ثابت ألبتّة و على كلّ حال. قال الرضيّ: و ليس مراد سيبويه من تفسير أمّا بمهما أنّها بمعناها، و كيف و أمّا حرف، و مهما اسم، بل قصده إلى معنى البحت، و أمّا بمعنى أنّ، و أصل أمّا زيد فقائم، أمّا يكن من شيء فزيد قائم، أي إن يقع شيء في الدنيا يقع قيام زيد، انتهى.
الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية ؛ ص٨٥٠
و التزموا حذف فعل أمّا الّذي هو الشرط لجريه على طريقة واحدة، و هو يكن أو نحوه، كما التزموا حذف متعلّق الظرف إذا وقع خبرا مثلا، و للتنبيه على أنّ المقصود بأمّا حكم الاسم الواقع بعدها لا الفعل.
« عوّض» ما «بينهما» أي بين أمّا و الفاء اللازمة لما بعدها «عن فعلها» المحذوف لزوما «جزء ممّا في حيّزها»، أي حيّز أمّا كراهة دخول حرف الشرط على فاء الجواب، و نبّه بقوله: جزء على أنّه لا يعوّض أكثر من واحد لارتفاع الاستكراه بواحد.
« فيه» أي في الجزء و المذكور «أقوال» ثلاثة.
أحدها: أنّه جزء من جزائها الواقع بعد الفاء، و هو إمّا مبتدأ نحو: أمّا زيد فمنطلق، و إمّا معمول لما وقع بعد الفاء، سواء كان ما بعدها ما يمنع التقديم مع قطع النظر عن الفاء، نحو: أمّا زيدا فإنّي ضارب أو لم يكن، نحو: أمّا يوم الجمعة فزيد منطلق، و ذلك لأنّ لأمّا خاصّة في تصحيح التقديم لما يمتنع تقديمه، و هذا القول عزاه بعضهم لسيبويه و ليس بقوله، و أنّما هو قول المبرّد و ابن درستويه و الفرّاء، و اختاره ابن الحاجب و ابن مالك.
قال أبو حيان: قد رجع المبرّد عن هذا القول إلى قول سيبويه فيما حكاه ابن ولّاد [١] عنه، قال الزجاجّ: رجوعه مكتوب عندى بخطّه، فإن قلت: هذا القول لا تشمله عبارة المصنّف، لأنّ ما وقع عوضا بين أمّا و الفاء على هذا القول جزء ممّا في حيّز الجزاء لا ممّا في حيّز أمّا نفسها، قلت: ما في حيّز الجزاء في حيّز أمّا أيضا.
الثانى: أنّه معمول الفعل المحذوف مطلقا، أى سواء كان ما بعد الفاء ما يمنع التقديم، أو لم يكن، إذ العمل للمحذوف المقدّر في محلّه، و لا عمل لما بعد الفاء، فلا أثر لكونه ممّا يمنع التقديم أولا، فإذا قلت: أمّا زيد فمنطلق، فالتقدير مهما يذكر زيد فهو منطلق، و إذا قلت: أمّا يوم الجمعة فزيد منطلق، فالتقدير مهما تذكر يوم الجمعة فزيد منطلق، و ردّ
[١] - أحمد بن محمد بن ولاد النحوىّ، كان بصيرا بالنحو أستاذا، صنّف المقصور و الممدود، مات سنة ٣٣٢ ه. بغية الوعاة ١/ ٣٨٦.