الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٨٤٦
النُّورُ [الرعد/ ١٦]، أي بل هل، لا يفارقها هذا المعنى عند الجمهور [١]، و الأكثر اقتصارها مع ذلك استفهاما طلبيّا كقولهم: إنّها لأبل أم شاء، التقدير: بل أ هي شاء، و معناه أنّك رأيت أشباحا من بعده، فقلت: إنّها لأبل على سبيل الجزم، ثمّ حصل شكّ في ذلك، فقلت: أم شاء بقصد الإضراب، و استئناف سؤال عن الشاء، أو استفهاما إنكاريّا نحو:
أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَ لَكُمُ الْبَنُونَ [الطور/ ٣٩]، أي بل أ له البنات، إذ لو قدّرت للإضراب المحض لزم المحال، و هو الإخبار بنسبة البنات إليه، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا، و قد لا تقتضيه ألبتّة، فيكون للاضراب وحده كما مرّ.
و نقل ابن الشجري عن جميع البصريّين أنّ أم أبدا بمعنى بل و الهمزة جميعا، و أنّ الكوفيّين خالفوهم في ذلك، قال: و الّذي يظهر قولهم إذ المعنى في نحو: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ [الرعد/ ١٦]، ليس على الاستفهام، و لأنّه يلزم البصريّين دعوي التأكيد في نحو:
أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَ النُّورُ [الرعد/ ١٦]، أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل/ ٨٤]، أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ [الملك/ ٢٠].
و وقع للدمامينيّ أنّه أجاب عن الثاني آخذا من كلام السعد التفتازانيّ في حاشية الكشّاف بأنّ أم الداخلة على الاستفهام ليست متّصلة و لا منقطعة، و ردّه بعض الأئمة فقال له: إنّه لا سلف له في ذلك، و أنّ النحاة متّفقون على أنّ أم لا تخرج عن القسمين ألبتّة.
تنبيهات: الأوّل: قضية كلام المصنّف أنّ بل المنقطعة عاطفة أيضا، و هو قول ابن جنيّ، و به جزم ابن هشام في المغني، و الجمهور على أنّها حرف ابتداء، و قد مرّ بيانه.
الثاني: قد ترد أم محتملة للاتّصال و الانقطاع، فمن ذلك قوله تعالى: أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة/ ٨٠]، قال الزمخشريّ: يجوز في أم أن يكون بمعنى أيّ الأمرين كأين على سبيل التقدير لحصول العلم بكون أحدهما، و يجوز أن تكون منقطعة.
الثالث: ذكر أبو زيد أنّ أم تقع زائدة، و خرج عليه قوله تعالى: أَ فَلا تُبْصِرُونَ* أَمْ أَنَا خَيْرٌ [الزخرف/ ٥٢ و ٥١]، قال: التقدير أ فلا تبصرون أنا خير. قال ابن هشام: و الزيادة ظاهرة في قول ساعد بن جؤية [٢] [من البسيط]:
٩٤٦- يا ليت شعري و لا منجي من الهرم
أم هل على العيش بعد الشّيب من ندم [٣]
[١] - عند الجمهور سقط في «ح».
[٢] - شاعر هذلي من محضرمي الجاهليه الإسلام.
[٣] - اللغة: المنجى: النجاة و الخلاص، الهرم: اقصى الكبر، الشيب: بياض الشعر.