الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٨٢٨
المؤمنين علي (ع) و هو من الفصاحة: بحيث هو بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته [١]، انتهى.
قلت: و هذه الفقرة الّتي استشهد بها، من خطبته الشقشقيه (ع)، و كثير من المعاندين ينكر هذه الخطبة، و يقول: إنّها من كلام السّيّد الرضي جامع نهج البلاغة، و ليست من كلام علي (ع)، بل قال بعضهم: إنّ جميع نهج البلاغه وضعه السّيّد الرضيّ، و نسبه إلى علي (ع) و أنّه ليس من كلامه، ذكر ذلك ابن خلّكان في تاريخه، و هذا لا يقوله إلا عنيد جاهل أو متجاهل، فإنّ كثيرا من خطبه المذكورة في ذلك الكتاب بل جميعها مذكور في كتب السير، و لكنّ المعاند يقول ما شاء.
و أمّا هذه الخطبة الشقشقية فقال ابن أبي الحديد في شرحه نقلا عن ابن الخشاب:
إنّه قال: و اللّه لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنّفت قبل أن يخلق الرضيّ بمأتي سنة، و لقد وجدتها مسطورة في كتب أعرفها، و أعرف خطوط من هو من العلماء و أهل الأدب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضيّ، ثمّ ذكر ابن أبي الحديد عن نفسه أنّه وجدها في تصانيف جماعة ذكرهم كانوا قبل أن يخلق الرضيّ (ره) [٢]
تنبيه: أصل بينا و بينما بين، و أصله أن يكون مصدرا بمعنى الفراق، تقول: بان عنّي زيد بينا، أي فارقني فراقا، و معنى جلست بينكما، أي مكان فراقكما، و فعلت بين خروجك و دخولك، فعلت زمان فراق خروجك و دخولك، فحذف المضاف، و أقيم المضاف إليه مقامه. فبين- كما تبيّن- مستعمل في الزمان و المكان، و هو إذ ذاك لازم للإضافة إلى المفرد، فلمّا قصدوا إضافته إلى الجملة، و الإضافه إليها كلا إضافة، لأنّ الإضافة في المعنى ليست إليها بل إلى المصدر الّذي تضمّنته، زادوا عليه ما الكافة، لأنّها الّتي تكفّ المقتضى عن الاقتضاء، و اشبعوا الفتحة، فتولّدت ألف، لتكون الألف دليل عدم اقتضائه للمضاف إليه، لأنّه كان قد وقف عليه، و الألف فد يؤتي به للوقف كما في أنا و: الظُّنُونَا [الأحزاب/ ١٠]، و تعيّن حينئذ أن لا يكون إلا للزمان لما تقرّر من أنّه لا يضاف إلى الجمل من المكان إلا حيث، و بين في الحقيقة مضاف إلى زمان مضاف إلى الجملة، فحذف الزمان المضاف لقيام القرينة عليه، و هي غلبة إضافة الأزمنة إلى الجمل دون الأمكنة و غيرها، فيتبادر الفهم في كلّ مضاف إليها إلى الزمان، فإذا قلت: بينا زيد قائم أقبل عمرو، فالتقدير بين أوقات زيد قائم، أي بين أوقات قيام زيد أقبل عمرو، هكذا قرّره الرضيّ، و هو مذهب الفارسيّ و ابن جني، و اختاره ابن الباذش.
[١] - في نهج البلاغة بترجمة جعفر الشهيدي «فيا عجبا بينا هو ...» خطبة الشقشقية، ص ١٠.
[٢] - سقطت هذه الفقرة في «ح».