الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٨١٠
بالمفرد لم يكن خبرا لعدم تحمّله ضمير سواء، و أمّا شبهته فجوابها أنّ الاستفهام هنا ليس على حقيقته، فلا يجب التقديم. فإن أجاب بأنّه كذلك في نحو: علمت أزيد قائم، و قد أبقي عليه استحقاق الصدريّة بدليل التعليق، قلنا: بل الاستفهام مراد هنا، إذ المعنى علمت ما يجاب به قول المستفهم: أزيد قائم، و أمّا في الآية و نحوها فلا استفهام ألبتة، لا من قبل المتكلّم و لا غيره.
الثاني: ربّما توهّم أنّ المراد بهمزة التسوية هي الواقعة بعد كلمة سواء بخصوصها، بتخيّل أنّ التسوية مأخوذة من كلمة سواء، و ليس كذلك، بل كما يقع بعدها، يقع بعد ما أبالى و ما أدري و ليت شعري و نحوهنّ، نحو: ما أبالى أقمت أم قعدت، و ما أدري أرحت أم غدوت، و ليت شعري أسافر زيد أم أقام، فإنّ هذه الجمل كلّها في محلّ المصدر، و هو الضابط.
الثالث: قضية كلام المصنّف أنّ الهمزة موضوعة لمعنى التسوية، فتكون قسما برأسها غير همزة الاستفهام. و قال ابن هشام في المغني: قد تخرج الهمزة من الاستفهام الحقيقيّ، فترد لمعان، و عدّ منها التسوية، و هذا يقتضي أنّ استعمالها في التسوية في غير ما وضعت له، فتكون من قبيل المجاز، و هو الأولى.
و الرابع [من وجوه الهمزة]: أن تكون «للاستفهام»، و حقيقته طلب المتكلّم من مخاطبه أن يحصل في ذهنه ما لم يكن حاصلا عنده ممّا سأله عنه. قال بعضهم: ينبغي أن يكون المطلوب أن يحصل ذلك في ذهن أعمّ من ذهن المتكلّم و غيره، كما أنّ الاستغفار الّذي هو طلب المغفرة، و هو الستر، أعمّ من أن يكون المطلوب له هو المتكلّم أو غيره، و يكون الاستفهام لغيرك أن يتكلّم المجيب بالجواب فيسمعه من جهل فيستفيده، و ردّه ابن هشام بأنّه لو صحّ ذلك لم يطلق العلماء على أنّ ما ورد منه في كلامه سبحانه مصروف إلى معنى آخر غير الاستفهام، و لو كان كما ذكر لم يستحلّ حمله على الظاهر، و يكون المراد منه أن يجيب بعض المخاطبين، فيفهم الجواب من لم يكن عالما به، انتهى.
و استحالة حمله على الظاهر محلّ بحث، فقد قال الشيخ بهاء الدين السبكيّ [١]: قولهم الاستفهام لا يكون منه تعالى على حقيقته ليس على إطلاقه، و إنّما يستحيل إذا كان مصروفا إلى المتكلّم بالكلام الاستفهاميّ، و أمّا إذا كان مصروفا إلى غيره ممّن يطلب
[١] - أحمد بن على العلّامة بهاء الدين ولد سنة ٧١٩ ه، أخذ العلم عن أبيه و الأصبهاني و أبي حيان، و كانت له اليد الطولي في اللسان العربيّ و المعاني و البيان، صنف: عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، و شرح مطوّل على مختصر ابن الحاجب. بغية الوعاة ١/ ٣٤٢.