الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٨٠٩
و ذكر ابن هشام في شرح التسهيل أنّ النداء بالهمزة قليل في كلام العرب، و تبعه ابن الصائغ في حواشي المغني، قال في الهمع: و ما ذكراه مردود، فقد وقفت لذلك على أكثر من ثلاثمائه شاهد، و أفردتها بالتإلىف.
الثاني: أن تكون للمضارعة بفتح الراء المهملة، مصدر ضارعه، أي شابهه، نحو:
أقوم و أقعد، قيل: و همزة المضارعة في الأصل ألف قلبت همزة لتعذّر الابتداء بالساكن، و حروف المضارعة أربعة، يجمعها قولك: أنيت، و قد مرّ ذكرها في صدر هذا الشرح.
الثالث: أن تكون «للتسوية، و هي الداخلة على جملة» واقعة «في محلّ المصدر» و هذا أحسن من قولهم: الداخلة على جملة يصحّ حلول المصدر محلّها، لأنّ الجملة هنا مؤوّلة بالمفرد تأويلا مطّردا، فهي واقعة في محلّ المفرد «نحو» قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة/ ٦]، أي سواء عليهم الإنذار و عدمه.
فان قلت: تأويل الجملة بالمفرد هنا مشكل، لأنّه لا سابك في اللفظ، فيلزم الشذوذ على ما صرّح به بعضهم مثل: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه [١]، برفع تسمع، و عدم تقدير السابك، و هو الحرف المصدريّ، و ادعاء الشذوذ هنا باطل، لأنّ هذا تركيب فصيح كثير الاستعمال. قلت: سبك الجملة بالمفرد من غير حرف مصدريّ إنّما يكون شاذّا إذا لم يطّرد في باب، أمّا إذا اطّرد في باب و استمرّ فيه، فإنّه لا يكون شاذّا مثل:
لا تأكل السمك، و تشرب اللبن، فإنّك إذا نصبت تشرب، نصبته بأن مقدّرة، فيصير اسما معطوفا في الظاهر على فعل، و هو ممتنع إلا عند التأويل، فاحتجنا إلى أن نتصيّد من الفعل الأوّل مصدرا من غير سابك، و لا يعدّ مثل هذا شاذّا لاطّراده في بابه. و كذا إضافة اسم الزمان مثلا إلى الجملة نحو: جئت حين جاء زيد، أي حين مجيء زيد، فأوّلت الجملة بالمفرد من غير أن يكون هناك حرف مصدريّ، و ليس بشاذّ لاطّراده في بابه، و هنا في باب التسوية أوّلت الجملة بالمفرد تأويلا مطّردا بدون أداة، فلم يعد شاذّا، قاله الدمامينيّ في التحفة، و أفهم كلامه أنّ الشذوذ ينافي الفصاحة و كثرة الاستعمال، و هو ممنوع.
تنبيهات: الأوّل: أجيز في سواء الآية المذكورة كونها خبرا عمّا قبلها، أو عمّا بعدها، أو مبتدأ، و ما بعدها فاعل على الأوّل، و مبتدأ على الثاني، و خبر على الثالث.
قال في المغني: و أبطل ابن عمرون الأوّل بأنّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، و الثاني بأنّ المبتدأ المشتمل على الاستفهام واجب التقديم، فيقال له: و كذا الخبر، فإن أجاب بأنّه مثل زيد أين هو، منعناه، و قلنا: بل مثل كيف زيد، لأنّ أَ أَنْذَرْتَهُمْ إن لم يقدّر
[١] - تقدّم في ص ٧٧٥.