الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٨٠٨
فإن قلت: ما المعين لحمل النداء هنا على نداء القريب؟ قلت: القرائن الموجودة قوله في هذه القصيدة يخبر بحاله مع هذه المرأة [من الطويل]:
٩١١- تقول و قد مال الغبيط بنا معا
عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل
فقلت لها سيري و أرخي زمامه
و لا تبعديني من جناك المعلّل [١]
الغبيط بالغين المعجمة و الظاء المهملة كرغيف رحل يشدّ عليه هودج المرأة، و الجني ما يجنى، أي يقتطف من الثمرة، عبّر به هنا عن اللّذة الّتي ينالها من هذه المرأة على طريق الاستعارة، و المعلّل ترشيح، و التعليل جني الثمرة مرّة بعد أخرى.
« المتوسّط» أي و يرد لندائه، و هذا لم يقل به أحد، و إنّما هو عندهم لنداء القريب فقط، نعم نقل ابن الخباز في شرحه على الدرّة الألفية عن شيخه أنّ الهمزة للمتوسّط، و أنّ الّذي للقريب يا، و المصنّف جمع بين القولين، فجعلها للقريب و المتوسّط معا. قال ابن هشام: و ما نقله ابن الخباز خرق لإجماعهم، قالوا و ذلك من وجهين: دعواه أنّ الهمزة للمتوسّط، و إنّما هي عندهم لنداء القريب، و الثاني كون القريب لم يوضع لندانه غير يا، و قول المصنّف أيضا خرق للإجماع، لكنّه من وجه واحد.
قال الدمامينيّ: و القدح بخرق إجماع النحاة مبنيّ على أنّ إجماعهم في الأمور اللغويّة معتبر معيّن أتباعه، و وقع فيه لبعض العلماء تردّد. و في شرح مختصر ابن الحاجب الأصولي للشيخ بهاء الدين السبكيّ نقل بعض العلماء الإجماع على اعتبار الإجماع في الأمور اللغويّة، مثل كون الواو للجمع المطلق، و هذا الإشكال فيه إذا صدر من المجتهدين، أمّا إجماع النّحاة الّذين عليهم المعوّل في علم العربيّة، و لم يبلغوا رتبة الاجتهاد، فالقياس أنّ إجماعهم لا يعتبر، و فيه نظر.
و قد رأيت في الخصائص لابن جنّي: إعلم أنّ إجماع أهل البلدين أنّما يكون حجّة، إذا لم يخالف المنصوص أو المقيس على المنصوص، و إلا فلا، لأنّه لم يرد في كتاب و لا سنّة أنّهم لا يجتمعون على الخطأ، كما جاء النص بذلك في كلّ الأمّة، و إنّما هو علم منتزع من استقراء هذه اللغة، فكلّ من فرق له عن علّة صحيحة كان خليل نفسه، إلا أنّا لا نسمح بمخالفة الجماعة الّتي طال بحثها، انتهى ملخصا. و في الاقتراح بعد كلام ابن جنيّ في الخصائص، و قال غيره إجماع النحاة على الأمور اللغويّة معتبر خلافا لمن تردّد فيه، و خرقه ممنوع، و من ثمّ ردّ، انتهى.
[١] - اللغة: عقرت بعيري: أدميت ظهره، أرخي: أرسلي. جهل العشيقة بمترلة الشجرة، و جعل ما نال من عناقها و تقبيلها و شمها بمترلة الثمر.