الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٧٧٧
عمّا قبلها، لا محلّ لها من الإعراب، و ليست محكيّة بالقول لفساد المعنى، إذ قالوا: إنّ العزّة للّه جميعا لم يحزنه، و إنّما المحكيّ بالقول محذوف تقديره: إنّه مجنون أو شاعر أو نحو ذلك، و مثلها قوله تعالى: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ [يس/ ٧٦].
و في جمال القرّاء [١]للسخاويّ إنّ الوقف على قولهم في الاثنين واجب، و الصواب أنّه ليس في جميع القرآن وقف واجب، نعم إن وصل و قصد بذلك تحريف المعنى أثم.
« كذلك» أي كالمذكور من الجملة المنقطقة «جملة العامل الملغي لتأخّره» نحو:
زيد قائم أظنّ، «أمّا» جملة العامل «الملغى لتوسّطه» نحو: زيد أظنّ قائم، «فجملة» لا محلّ لها من الإعراب أيضا إلا أنّها جملة «معترضة» لا منطقعه. و الثاني أعني الّتي قطع تعلّقها عمّا قبلها معنى نحو قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [العنكبوت/ ١٩]، منقطعة عمّا قبلها، لأنّ الرابط المعنويّ مفقود، إذ إعادة الخلق لم تقع بعد، فيقرروا برؤيتها مع أنّ الرابط اللفظيّ موجود، و هو حرف العطف.
تنبيهات: الأوّل: يخصّ البيانيون الاستئناف بما كان جوابا عن سؤال مقدّر، نحو قوله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ* إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ [الذاريات/ ٢٥ و ٢٤]، فإنّ جملة القول الثانية جواب لسؤال مقدّر تقديره فما ذا قال لهم، و لهذا فصّلت عن الأولى، فلم تعطف عليها و في قوله: سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [الذاريات/ ٢٥] جملتان، حذف خبر الأولى و مبتدأ الثانية، إذ التقدير سلام عليكم، أنتم قوم منكرون، و منه قوله [من الكامل]:
٨٦٣- زعم العواذل أننّي في غمرة
صدقوا و لكن غمرتي لا تنجلي [٢]
فإنّ قوله: صدقوا جواب سؤال تقديره: أصدقوا أم كذبوا؟ و مثله: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ* رِجالٌ [النور/ ٣٧ و ٣٦] فيمن بنى يسبّح للمفعول.
الثاني: قال ابن هشام: قد يحتمل اللفظ الاستئناف و غيره، و هو نوعان: أحدهما إذا حمل على الاستئناف احتّىج إلى تقدير جزء يكون معه كلاما نحو: زيد من قولك: نعم الرجل زيد، و الثاني ما لا يحتاج فيه إلى ذلك لكونه جملة تامّة، و ذلك كثير جدّا، نحو الجملة المنفيّة في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ
[١] - جمال القرّاء و كمال الاقراء للشيخ علم الدين السخاويّ المتوفى سنة ٦٤٣ ه، و هو كتاب لطيف في فنه، جمع فيه أنواعا من الكتب المشتملة على ما يتعلق بالقراءات و التجويد و الناسخ و المنسوخ و الوقف و الابتداء. كشف الظنون ١/ ٥٩٣.
[٢] - لم يعيّن قائله. اللغة: العوذال: جمع عاذلة من العذل بمعنى اللوم، و أراد بها الجماعة لا النساء العوذال بدليل قوله صدقوا، الغمرة: الشدّة، تنجلي: تنكشف.