الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٧٦١
قال ابن هشام: و الصواب قول الجمهور، إذ يصحّ أن يخبر عن الجملة بأنّها مقولة، كما يخبر عن زيد من ضربت زيدا، بأنّه مضروب بخلاف القرفصاء في المثال، فلا يصحّ أن يخبر عنها، بأنّها مقعودة، لأنّها نفس القعود، و أمّا تسمية النّحويّين الكلام قولا فكتسميتهم إيّاه لفظا، و إنّما الحقيقة أنّه مقول و ملفوظ، انتهى.
تنبيهات: الأوّل: الأصل أن يحكى لفظ الجملة كما سمع، و يجوز أن يحكى على المعنى باجماع، فإذا قال زيد: عمرو منطلق، فلك أن تقول: قال زيد: عمرو منطلق، أو المنطلق عمرو، فإن كانت الجملة ملحونة حكيت على المعنى بإجماع، فتقول في قول زيد عمرو قائم بالجرّ، قال زيد: عمرو قائم بالرفع. و هل تجوز الحكاية على اللفظ؟ قولان، صحّح ابن عصفور المنع، قال: لأنّهم إذا جوّزوا المعنى في المعربة فينبغي أن يلتزموه في الملحونة.
الثاني: إذا حكيت كلام متكلّم عن نفسه، نحو: انطلقت، فلك أن تحكيه بلفظه فتقول: قال فلان: انطلقت، و لك أن تقول: قال فلان: انطلق، أو إنّه انطلق، أو هو منطلق.
الثالث: هل يلتحق بالقول في هذا الباب ما يرادفه كالدعاء و النداء و كلّ ما في معنى القول، فإذا وقع بعد نادى و دعا و وصّي و نحوها جملة كقوله: وَ نادى نُوحٌ ابْنَهُ ... يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا [هود/ ٤٢]، دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا [يونس/ ٢٢]، وَ وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ يا بَنِيَ [البقرة/ ١٣٢]، فهل هي محكيّة بما قبلها من الأفعال إجراء لها مجرى القول، أم نصبت بقول مقدّر؟ ذهب الكوفيّون إلى الأوّل و البصريّون إلى الثاني، و يشهد لهم التصريح بالقول في نحو. وَ نادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [هود/ ٤٥]، و نحو: إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا* قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي [مريم/ ٤ و ٣].
الرابع: قال ابن بابشاذ في شرح الجمل: من أحكام هذه الجملة المحكية أنّه لا يجوز نعت أسمائها و لا تأكيدها و لا العطف عليها، لأنّ هذا كلّه يخرجها عن نفس الحكاية، و يؤدّي إلى إيقاع النعت و التوكيد على غير معنى، فيلبس أن ذلك داخل في الحكاية، تقول لمن قال: زيد منطلق، قال فلان: زيد منطلق، و لا يجوز أن تقول: قال فلان: زيد الظريف منطلق، و لا زيد نفسه منطلق، و لا زيد و عمرو منطلقان، لأنّ ذلك كلّه لم يقله المحكيّ عنه، انتهى.