الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٧٥٩
و قال الأندلسيّ: المضارع المنفيّ بلم لا بدّ فيه من الواو، كان مع الضمير أو لا، قال الرضيّ: و لعلّ ذلك، لأنّ نحو: لم يضرب ماض معنى، كما أنّ ضرب ماض لفظا، فكما أن ضرب لمناقضته للحال ظاهرا احتاج إلى قد المقرّبة له إلى الحال لفظا أو تقديرا، كذلك لم يضرب يحتاج إلى الواو الّتي هي علامة الحالية لما لم يصحّ قد، لأنّ قد لتحقيق الحصول، و لم للنفي، انتهى.
و ذكر في التسهيل أنّ المضارع المنفيّ بما لا تغني فيه الواو عن الضمير، و في كلام غيره التمثيل بجاء زيد، و ما تطلع الشمس، و أمّا المبدوّة بالماضي المثبت فإن كان تاليا ل إلا نحو: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [الحجر/ ١١]، أو متلوّا بأو كقوله [من البسيط]:
٨٣٥- كن للخليل نصيرا جار أو عدلا
و لا تشحّ عليه جاد أو بخلا [١]
أو صلة لشرط، نحو: لأضربنه إن أطاع و إن عصي، لزم الضمير و الخلوّ عن الواو، أو كانت مؤكّدة، نحو: زيد أخوك قد علمت، تركت الواو أيضا، و إن كان غير ذلك جازت الأوجه الثلاثة، هذا التفضيل خلا عنه كثير من الكتب، فاحفظه.
« لا بدّ في الماضي المثبت من» ثبوت «قد، و لو تقديرا»، أي و لو كان ثبوتا مقدّرا، أمّا المذكورة فكقوله تعالى: أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَ قَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ [البقرة/ ٧٥]، و هو كثير، و أمّا المقدّرة فكقوله تعالى: هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا [يوسف/ ٦٥]، و نحو: جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ [النساء/ ٩٠].
هذا مذهب الفرّاء و المبرّد و الفارسيّ و جماعة من محقّقي المتأخرين، بل قيل: جميع البصريّين إلا الأخفش، و ذهب الكوفيّون و الأخفش إلى أنّه لا حاجة إلى تقدير قد، حيث تفقد لفظا لكثرة وقوع الماضويّة حالا بدون قد، و الأصل عدم التقدير لا سيّما فيما كثر استعماله، و اختاره أبو حيّان، و وجّه بعضهم القول بأنّ قد إنّما اشترطت لتقريب الماضي من الحال، فيصلح إذ ذاك لوقوعه حالا، و فيه بحث سيأتي في حديقة المفردات، إن شاء اللّه تعالى.
تنبيه: كلامه في لزوم قد ليس على إطلاقه بل فيه تفضيل، و ذلك أنّ الماضي إن كان تاليا ل إلا أو متلوّا بأو، كان ترك قد أكثر من ثبوتها، نحو: ما لقيته إلا أكرمني، و اضرب زيدا قام أو قعد. و قيل: بل الترك واجب، و إن كان معه ضمير كان ثبوتها أكثر، و اجتماع الواو و قد حينئذ أكثر من انفراد أحدهما، و انفراد قد أكثر من انفراد
[١] - لم ينسب البيت إلى قائل معين، اللغة: جار: ظلم، لا تشحّ عليه: لا تحرص.