الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٦٦٢
قال ابن هشام: كانت العرب إذا رأت البقر عافت ورود الماء، تعمّد إلى الثور، فتضربه، فترد البقر حينئذ، و لا تمتنع منه فرقا من الضرب أن يصيبها، و إنّما امتنعوا من ضربها لضعفها عن حمله بخلاف الثور. و قيل: المراد بالثور: ثور الطحلب، و هو الّذي يعلو الماء فيصدّ البقر عن الشرب، فيضربه صاحب البقر لتفحص عن الماء فتشربه، و المناسب للتشبيه الأوّل، لأنّ الغرض من وقوع الفعل به تخويف غيره، و أيضا فلو كان المراد بالثور الطحلب، لم يكن لذكر البقر خصوصيته، بل البقر و غيرها في ذلك شرع، فتأمّل.
و خرج بقوله على اسم صريح، نحو: الطائر فيغضب زيد الذباب، فلا ينصب الفعل، لأنّ الاسم المعطوف عليه مؤوّل بالفعل لوقوعه صلة لال، أي الّذي يطير.
الثاني: بعد لام كي، و هي لام السببيّة، و إنّما أضيفت إلى كي، لأنّها بمعناها، و ذلك إذا لم يقترن الفعل بعدها بلا النافية و الزائدة، نحو: أسلمت لأدخل الجنّة، بنصب أدخل بأن مقدّرة بعد لام، فلو اقترن الفعل بلا سواء كانت نافية، نحو: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ [البقرة/ ١٥٠]، أو زائدة نحو: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [الحديد/ ٢٩]، لم يجز إضمار أن، لئلا يحصل الثقل لبقاء المثلين.
تنبيهان: الأوّل: قال ابن هشام في شرح الشذور و غيره: تضمر أن جوازا بعد العاقبة، و هي الّتي يكون ما بعدها نقضيا لمقتضي ما قبلها نحو: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً [القصص/ ٨]، فإنّ التقاطهم له أنّما كان لرأفتهم عليه، و لما ألقى اللّه عليه من المحبّة، فلا يراه أحد إلا أحبّه، فقصدوا أن يصير قرّة عين لهم، فصارت عاقبة الأمر أن كان لهم عدوّا و حزنا. و بعد اللام الزائدة، و هي الآتية بعد فعل متعدّ، نحو يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء/ ٢٦]، انتهى.
و لا يرد شيء منهما على قضيه كلام المصنّف (ره)، لأنّ التحقيق أنّ كلّا منهما داخل في لام التعليل. أمّا العاقبة فقد مرّ أنّ البصريّين ينكرونها. قال الزمخشريّ: إنّها لام العلّة، و التعليل فيها على طريق المجاز دون الحقيقة، و بيانه أنّه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدوّا و حزنا، بل المحبّة و التبنّي، غير أنّ ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له و ثمرته شبّه بالداعي الّذي يفعل الفعل لأجله، فاللام للاستعارة لما يشبه التعليل كما أستعير الأسد لمن يشبه الأسد، انتهى.
فتكون استعارة تبعية، و تحقيقها هنا أنّه شبّه ترتّب العداوة و الحزن على الالتقاط بترتّب علّته الغائية عليه، ثمّ استعمل في المشبّهة اللام الموضوعة للمشبّه به، أعني ترتّب
[١] - شرع: سواء.