الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٦٥٠
رفع المضارع
يرتفع المضارع بالتجرّد عن الناصب و الجازم:
و الكلام الآن في ما عدا ذلك، «يختصّ» الفعل «المضارع» من بين أقسام الفعل «بالإعراب»، و ذلك لمشابهته الاسم فيما مرّ «فيرتفع بالتجرّد عن الناصب و الجازم».
هذا أحد الأقول في رافعه، و هو قول الفرّاء و حذّاق الكوفيّين، و أورد عليه أن التجرّد أمر عدميّ، و الرفع وجوديّ، و العدمّي لا يكون عاملا في الوجودي، و ردّ بمنع كونه عدميّا، بل هو الإتيان بالمضارع على أوّل أحواله، و هذا ليس بعدميّ، و لو سلم فمن أين أنّه لا يعمل في الوجوديّ، بل يعمل، لأنّه هنا علّة لا مؤثّر، كما في المبتدإ.
و ذهب الكسائيّ إلى أنّ رافعه حرف المضارع [١]، و ثعلب إلى أنّه مضارعته الاسم، و البصريّون إلى أنّه وقوعه موقع الاسم. قالوا: و لهذا إذا أدخل عليه نحو: إن و لم و لمّا امتنع رفعه، لأنّ الاسم لا يقع بعدها، فليس حينئذ واقعا موقع الاسم.
قال ابن هشام: و أصحّ الأقوال الأوّل، و هو الّذي يجري على ألسنه المعربين، حيث يقولون: مرفوع لتجرّده عن الناصب و الجازم. قال: و يفسد قول الكسائيّ أنّ جزء الشيء لا يعمل فيه، و قول ثعلب إنّ المضارعة أنّما اقتضت إعرابه من حيث الجملة، ثمّ يحتاج كلّ نوع من أنواع الإعراب إلى عامل يقتضيه، ثمّ يلزم على المذهبين أن يكون المضارع مرفوعا دائما، و لا قائل به.
و يردّ قول البصريّين ارتفاعه بعد هلّا يقوم، إذ الاسم لا يقع بعد حرف التحضيض و إنّما يرجّح عامل النصب و الجزم على عامل الرفع. إذا دخل على الفعل لقوّته، إذ هو لفظيّ، و عامل الرفع معنويّ، انتهى. و هو خلاف لا ثمرة له، إذ لا ينشأ عنه حكم نطقيّ.
المضارع المنصوب و نواصبه
«ينتصب» بحرف من أربعة أحرف على الأصحّ:
احدها «لن» و بدأ بها لملازمتها النصب، نحو: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ [طه/ ٩١]، و هي حرف بالإجماع بسيطة على وضعها الأصليّ عند سيبويه و الجمهور. و ادّعى الفرّاء أنّ أصلها لا النافية، فأبدلت الألف نونا، و حجّته أنّهما حرفان نافيان ثنائيان و لا
[١] - هذا القول فاسد، لأنّ حرف المضارع بعض الفعل، و لا ينفصل منه في اللفظ، بل من تمام معناه.
أبو البركات الانباري، الإنصاف في مسائل الخلاف، الجزء الثاني، لاط، صيدا- بيروت، المكتبة العصرية؛ ١٤١٩ ه، ص ٥٥٤.