الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٦١٢
٦٤٥- تروّحي أجدر أن تقيلي
...
« غدا بجنبي بارد ظليل»
[١]
أي تروحي، و أتى مكانا أجدر من غيره بأن تقيلي فيه.
و زعم الرمانيّ أنّ الحذف لا يجوز إلا في الخبر، و أجازه البصريّون إذا كان فاعلا، نحو: جاءني أفضل، أو اسم إنّ، نحو: إنّ اكبر اللّه، و منعه الكوفيّون.
تنبيهات: الأوّل: لا يتعيّن في نحو: اللّه اكبر، و دعائمه أعزّ و أطول أن يكون المحذوف من مع مجرورها، بل يجوز أن يقال: إنّ المحذوف هو المضاف إليه، أي أكبر كلّ شيء، و أعزّ دعامة، و لم يعوّض منه التنوين لكون أفعل غير متصرّف، فاستبشع ذلك.
الثاني: يجب أن يكون المجرور بمن التفضيليّة مشاركا للمفضّل في المعنى إمّا تحقيقا، نحو: زيد أحسن من عمرو، أو تقديرا كقول على (ع): لأن أصوم يوما من شعبان أحبّ إلى أن أفطر يوما من رمضان [٢]. لأنّ إفطار يوم الشكّ الّذي يمكن أن يكون من رمضان محبوب عند المخالف فقدّره (ع) محبوبا إلى نفسه أيضا، ثمّ فضّل صوم شعبان عليه، فكأنّه قال: هب أنّه محبوب عندي أيضا، أ ليس صوم يوم من شعبان أحبّ منه.
و قال (ع): أللهمّ أبدلني بهم خيرا منهم [٣]، أي في اعتقادهم و أبدلهم بي شرّا منّي، أي في اعتقادهم أيضا، و إلا فلم يكن فيهم خيرا و لا فيه (ع) شرّ، و مثله قوله تعالى:
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [الفرقان/ ٢٤]، كأنّهم لمّا اختاروا موجب النار اختاروا النار.
و يقال في التهكّم: أنت أعلم من الحمار، فكأنّك قلت: إن أمكن أن يكون للحمار علم، فأنت مثله مع زيادة، و ليس المقصود بيان الزيادة، بل الغرض التشريك بينهما في شيء معلوم انتفاؤه عن الحمار.
و أمّا نحو قولهم: أنا أكبر من الشعر، و أنت أعقل من أن تقول كذا، فليس المراد تفضيل المتكلّم على الشعر و المخاطب على القول، بل المراد بعدهما عن الشعر و القول.
و أفعل التفضيل يفيد بعد الفاضل من المفضول و تجاوزه عنه، فمن في مثله ليست تفضيلية، بل هي مثل ما في قولك: بنت من زيد، تعلّقت بأفعل المستعمل بمعنى متجاوز و بائن بلا تفضيل، فمعنى قولك: أنت أعزّ على من أن أضربك، أي بائن من أن أضربك من فرط عزّتك على، و إنّما جاز ذلك، لأنّ من التفضيليّة متعلّقة بأفعل التفضيل بقريب
[١] - تمامه
«غدا بجنبي بارد ظليل»
و هو مجهول القائل. اللغة: تروّحي: من تروّح: سار في العشيّ، أو عمل فيه، أن تقيلي: من قال- قيلا أي: نام وسط النهار، الظليل: ذو الظل.
[٢] - الشيخ الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج ١٠، موسسه آل البيت، رقم ١٢٧٣٠.
[٣] - سنن الترمذي كتاب الدعوات ٨٣.