الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٥٩٩
إليه معا هاهنا بخلاف المحضة فلا أقلّ من أن لا تكون على ضدّ ما هي عليه، و هو تعريف المضاف، و تنكير المضاف إليه، انتهى.
قلت: و إنّما يكون في هذه الإضافة تخفيف بحذف الضمير من وجهه أن لو كان الأصل الحسن وجهه لا الحسن وجها، و أمّا إذا قلنا: إنّ الأصل الحسن وجها، فلا تخفيف ألبتّة، و تعيّن الأوّل دون الثاني غير ظاهر.
« اختلف في حسن وجهه» بتجريد الصفة مضافة إلى معمولها المضاف إلى ضمير الموصوف، فسيبويه و البصريّون على جوازه على قبح في ضرورة الشعر فقط، لأنّ تخفيف هذه الإضافة يكون بحذف التنوين و بحذف الضمير و التخفيف بحذف الضمير أعلى منه بحذف التنوين، فلا وجه لترك الأعلى مع إمكانه و اختيار الأدنى، و ما هو إلا ترجيح المرجوح. و المبرّد على منعه مطلقا في الشعر و غيره، و ردّ بقول الشماخ [من الطويل]:
٦٣٠- أقامت على ربعيهما جارتا صفا
كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما [١]
أنشده سيبويه مستدلّا به على مجئيه في الشعر، و ضمير ربعيها يعود إلى الدمنتين، و المراد بالجارتين صخرتان تجعلان تحت القدر، و تشدّ القدر إلى الجبل، و هو المعنى هنا بالصفا، فيقوم الجبل مقام حجر ثالث للقدر، و الكميت الشديد الحمرة، و الجون هنا الأسود، و المصطلى مصدر ميميّ على أنّ ثمّ مضافا محذوفا، أي موضع اصطلاهما، أو اسم مفعول واقع موقع المثنّى كما في رأس الكبشين. و المعنى أنّ تينك الصخرتين محمّرتا الأعإلى بما يرتفع إليهما من النّار مسوّدتا مكان الاصطلاء من كثرة إيقاد النار بينهما. و الشاهد في البيت ظاهر، و نازع فيها المبرّد زاعما أنّ ضمير مصطلاهما عائد إلى الأعالي، إذ هي جمع في معنى المثنّى من حيث إنّه للجاريتين، و ليس لهما إلا أعليان، و إنّما جمعا بما حولهما كقوله [من الوافر]:
الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية ؛ ص٥٩٩
٦٣١- ...
روانف اليتيك و تستطارا
« و متى ما تلقني فردين ترجف»،
[٢]
و الألف في تستطارا راجع إلى الروانف، لأنّه رانفتين، و هما أسفلا الإلية و طرفاها اللذان يليان الأرض من الإنسان إذا كان قائما، فكأنّه قال: جونتا مصطلى الأعالي:
فليس فيه إلا ضمير واحد، و هو المستكن في جونتا. فهو كقولك: زيد حسن الغلام
[١] - اللغة: الربع: الدار المترل، الصفا: الصخر الأملس، واحدة صفاة، كميتا: مثنى كميت بالتصغير من الكمتة، و هي الحمرة الشديدة المائلة إلى السواد، الجونة: السوداء، المصطلي: اسم مكان الصّلاء، أي: الاحتراق بالنار.
[٢] - صدر البيت:
« متى ما تلقني فردين ترجف»،
و هو لعنترة. اللغة: روانف: جمع الرانفة بمعنى أطراف الإليتين. الإلية: العجيزة. تستطار: بمعنى يطلب منك أن تطير خوفا و جبنا.