الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٥٢٥
فالفعل في نحو: جاء زيد و عمرو، يحتمل أن يكون حصل من كليهما في زمان واحد، و أن يكون حصل من زيد أوّلا، و أن يكون حصل من عمرو أوّلا.
فهذه ثلاثة احتمالات عقليّة، لا دليل في الواو على أحد منها، و إنّما دلّت على مطلق الاجتماع في الحكم، و من ثمّ يعطف بها الشيء على مصاحبة، نحو: فَأَنْجَيْناهُ وَ أَصْحابَ السَّفِينَةِ [العنكبوت/ ١٥]، و على سابقه، نحو: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَ إِبْراهِيمَ [الحديد/ ٢٦]، و على لاحقه جَمَعْناكُمْ وَ الْأَوَّلِينَ [المرسلات/ ٣٨].
فهذه ثلاث مراتب، و هي مختلفة في الكثرة و القلّة، فمجيئها للمصاحبة أكثر، و للترتيب كثير، و لعكس الترتيب قليل، فيكون عند الاحتمال و التجرّد من القرائن للمعيّة بأرجحيّة و للتأخّر برجحان و للتقدّم بمرجوحية، هذا مراد التسهيل، و هو تحقيق للواقع لا قول ثالث، قاله في التصريح، و فيه ردّ لقول أبي حيّان من أنّ قول ابن مالك: كون الواو للمعيّة راجح، و للترتيب كثير، و لعكسه قليل ليس مذهب البصريّين و لا الكوفيّين، بل هو ثالث خارج عن القولين فيجب اطراحه.
تنبيه: تنفرد الواو عن سائر أحرف العطف بسبعة عشر حكما:
أحدها: احتمال معطوفها للمعاني الثالثة السابقة.
الثاني: اقترانها بإمّا، نحو: إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً [الإنسان/ ١].
الثالث: اقترانها بلا إن سبقت بنفي، و لم تقصد المعيّة، نحو: ما قام زيد و لا عمرو، و لا ما اختصم زيد و لا عمرو، و إنّما جاز وَ لَا الضَّالِّينَ [الحمد/ ٧]، لأنها في غير معنى النفي، و أمّا وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ* وَ لَا الظُّلُماتُ وَ لَا النُّورُ* وَ لَا الظِّلُّ وَ لَا الْحَرُورُ* وَ ما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَ لَا الْأَمْواتُ [الفاطر/ ١٩/ ٢٠/ ٢١/ ٢٢]، فلا الثانية و الرابعة و الخامسة زوائد لأمن اللبس.
الرابع: اقترانها بلكن، نحو: وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب/ ٤٠].
الخامس: عطف المفرد السّييء على الأجنبيّ عند الاحتياج إلى الربط، كمررت برجل قائم زيد و أخوه، و زيد قام عمرو و غلامه، و زيدا ضربت عمرا و أخاه.
السادس: عطف العقد على النيّف نحو أحد و عشرون.
السابع: عطف الصفات المفرّقة مع اجتماع منعوتها كقوله [من الوافر]:
٥٤١- بكيت و ما بكا رجل حليم
على ربعين مسلوب و بال
الثامن: عطف ما حقّه التثنية أو الجمع كقول الفرزدق [من الكامل]:
[١] - سقط «احد و عشرون» في «ح».
[٢] - هو لابن ميّادة و اسمه الرماح بن أبرد. اللغة: ربعين: تثنية ربع بمعنى المترل.