الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٤٤٨
« يونس» بن جبيب الضبيّ أستاذ سيبويه يختار «نصبه»، لأنّه لا يجوز أن يلي حرف النداء، فينبغي أن لا يجعل كلفظ ما وليه، و لذلك قرأ جميع القرّاء ما عدا الأعرج [١]قوله تعالى: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ [سبأ/ ١٠] بالنصب، و وافق يونس أبو عمرو بن العلاء و عيسى بن عمرو الثقفيّ و الجرميّ، و عزي في غالب المتون هذا الاختيار إلى أبي عمرو دون غيره، فالتبس الأمر على بعض الناس، فتوهّم أنّ ذكر يونس في هذا المقام سهو من قلم الناسخ، و سببه أنّه لم يكن في هذا العلم بالراسخ.
«» أبو العباس محمد بن يزيد «» بضمّ الميم و فتح الباء الموحّدة و فتح الراء المشدّدة، عرف بذلك لما حكى السيرافيّ من أنّه لمّا صنّف المازنيّ كتابة الألف و اللام سأل عن دقيقه و عويصه [٢]، فأجاب بأحسن جواب، فقال: قم فأنت المبرّد، بكسر الراء المثبت للحقّ، فغيّره الكوفيّون، و فتحوا الراء، و جعلوه نبزا [٣]
«إن كان» المعطوف مع أل علما «كالخليل» و اليسع و الصعق، فهو «كالخليل» في اختيار الرفع، أو فيختار الرفع كالخليل، لأنّ أل لم تفد فيه تعريفا، فهي كالعدم، فاشبه عطف النسق المجرّد من أل، « إلا» يكن المعطوف مع أل علما، بل كان جنسا كالرجل و الطير، فهو «كيونس» في اختيار النصب، لأنّه يكون حينئذ بإحداث أل فيه تعريفا و تركيبا ما مشابها للمضاف، هذا هو المنقول الصحيح عن المبرد.
و ما وقع في الكافية من قول ابن الحاجب و الخليل في المعطوف يختار الرفع، و أبو عمرو النصب، و أبو العباس إن كان كالحسن فكالخليل و إلا فكأبي عمرو، فمقتضاه كما حلّه المصنّف و غيره من الشّراح أنّ المبرّد يوافق الخليل في اختيار الرفع، إذا كان المعطوف مع أل مثل الحسن في عروض أل و جواز حذفها، فكأنّه إذن مجرّد عن أل، و يوافق أبا عمرو في اختيار النصب مع لزوم أل كما في الصعق لامتناع مباشرة حرف النداء له مطلقا، فكيف يضمّ، و هو سهو من ابن الحاجب، كما نبّه عليه الرضيّ (ره).
قال شيخنا العلّامة محمد بن على الشاميّ:- أعلى اللّه مقامه- و هذا الحلّ لعبارة ابن الحاجب في الكافية أنّما علم من شرحه، و إلا فعبارته لا تأبي التتريل على ما هو الصحيح، و بعد ففي كلامه مع السهو في النقل أنّه لم يعلم منه مذهب المبرّد في عطف ما فيه اللام الأصليّة، انتهى، فتأمّل. و تبع ابن الحاجب على هذا النقل عن المبرّد صاحب اللباب و ابن هشام في الجامع الصغير.
[١] - عبد الرحمن بن هرمز عرف بالأعرج، حافظ، قارئ، و هو أوّل من برز في القرآن و السنن، مات سنة ١١٧ ه ق الأعلام للزركلي، ٤/ ١١٦.
[٢] - العويص: الصعب و الغامض.
[٣] - النبز: لقب السوء.