الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٤٤٧
و فيه أنّ معنى المنادى إنشائي، و ما قدّره معنى خبريّ. و قال عصام الدين: إنّ المنادى مع كونه مفعولا به صار كالعمدة في أنّه لا يتمّ الجملة الندائيّة بدونه، و ذلك لأنّه في معنى أقبل، فذلك المفعول فاعل في القصد، و لذلك بني على ما يرفع به، فرفع تابعه بالحمل عليه، و فيه من التكلّف ما لا يخفي كما اعترف هو به، و بالجملة فالمسألة من غوامض هذا العلم الجليل، و كلّ تعلىل فيها علىل.
« تنصب» حملا «على محلّه»، لأنّ حقّ التابع المبنيّ أن يكون تابعا لمحلّه، و هو هنا منصوب المحلّ على المفعوليّة، فتقول في التاكيد: يا تميم أجمعون و أجمعين، و في الصفة يا زيد الحسن و الحسن، و في البيان يا غلام بشر و بشرا.
« البدل» كالمنادى «المستقلّ مطلقا»، أي سواء كان المنادى مبنيّا أو معربا، فيضمّ إن كان مفردا معرفة، و إلا نصب، كما لو كان المنادى، فتقول: يا زيد بشر، و يا عبد اللّه بشر، و يا أبا عبد اللّه و يا عبد اللّه أخا زيد، كما تقول: يا بشر و يا أبا عبد اللّه، و يا أخا زيد، و ذلك لأنّه في نيّة تكرار العامل.
و قال ابن مالك: و يجوز عندي أن يعتبر في البدل حالان: حال يجعل فيها كالمستقلّ، و هو كثير، و حال يعطي فيها الرفع و النصب لشبهه فيها بالتوكيد و النعت و عطف البيان و عطف النسق المقرون بأل في عدم الصلاحيّة لتقدير حرف النداء قبله، نحو: يا تيم الرجال و النساء، و صحة هذه المسالة مبنيّة على أنّ العامل في البدل هو العامل في المبدل.
«أمّا المعطوف» عطف نسق، «فإن كان مع أل» سواء كان علما، نحو: يا زيد و الحارث أو لم يكن، نحو: يا زيد و الرجل، «فالخليل» بن أحمد الفراهيديّ نسبته إلى فراهيد، و هي بطن من الأزد، و هو فريد العصر و قريع [١]الدهر و أستاذ أهل الفطنة الّذي لم ير نظيره، و لا عرف في الدنيا عديله [٢]، حتى قال بعض أهل العلم: إنّه لا يجوز على الصراط بعد الأنبياء أحد أدقّ ذهنا من الخليل (ره) «يختار» مع تجويز النصب «رفعه» لما فيه من مشاكلته للمنادى في حركته، و نظرا إلى المعنى، لأنّه منادى مستقلّ معنى، و إن لم يصحّ مباشرة الحرف له و لكونه الأكثر في استعمالهم، كما حكاه سيبويه، و وافق الخليل تلميذه سيبويه و المازنيّ.
[١] - القريع: الفحل، الكريم، الغالب.
[٢] - العديل: المثل و النظير.