الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٣٨٩
تنبيهات: الأوّل: قال ابن الحاجب: لا يمكن جمع المستثنى المتّصل و المنقطع في حدّ واحد، لأنّ ماهيتهما مختلفان، و لا يمكن جمع شيئين مختلفي الماهيّة في حدود ذلك، لأنّ الحدّ متبيّن للماهية بذكر جميع أجزائها مطابقة إمّا تضمّنا أو تصريحا، و المختلفان في الماهية لا يتساويان في جميع الأجزاء حتى يجتمعا في حدّ واحد، و الدليل على اختلاف ماهيتها أنّ أحدهما مخرج من متعدّد، و الاخر غير مخرج، بلي يمكن جمعهما في حدّ واحد باعتبار اللفظ، لأنّ مختلفي الماهية لا يمتنع اشتراكهما في اللفظ، فيقال: المستثنى هو المذكور بعد إلا و أخواتها، انتهى.
قال الرضيّ: و لقائل أن يمنع اختلافها في الماهية قوله، لأنّ أحدهما مخرج من متعدّد، و الآخر غير مخرج. قلنا: لا نسلم أنّ كون المتّصل مخرجا من متعدّد من أجزاء ماهيته، بل حقيقة المستثنى متّصلا كان أو منقطعا هو المذكور بعد إلا و أخواتها مخالفا لما قبلها نفيا و إثباتا، ثمّ نقول: كون المتّصل داخلا في متعدّد لفظا أو تقديرا من شرطه لا من تمام ماهيته، فعلى هذا المنقطع داخل في هذا الحدّ كما في: جاءني القوم إلا حمارا، لمخالفة القوم الحمار في المجئ، انتهى. و على هذا جرى المصنّف في تعريفه المذكور.
الثاني: يرد على الاستثناء المتّصل إشكال مشهور، و هو لزوم التناقض في المستثنى، و ذلك أنّك إذا قلت مثلا: قام القوم إلا زيدا، فقد أثبت القيام للقوم الّذين من جملتهم زيد، و قولك: إلا زيدا نفي القوم إلا زيدا، فنفي عنه القيام الّذي ثبت له في ضمن القوم، فيلزم التناقض، و كذا قولك: أضرب القوم إلا زيدا، يلزم أن يكون زيد مطلوبا ضربه و غير مطلوب، و هذا لا يتصوّر في كلام العقلاء. و قد ورد في الكتاب العزيز من الاستثناء شيء كثير، كقوله تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً [العنكبوت/ ١٤]، فيكون المعنى لبث الخمسين في جملة الألف، و لم يلبث تلك الخمسين، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا. و اختلفوا في التقصي عن هذا الإشكال، فقال بعضهم: يختار أنّ المستثنى غير داخل في المستثنى منه، فالقوم في قولك: جاء القوم، عامّ مخصوص، أي أإنّ المتكلّم أراد بالقوم جماعة ليس فيهم زيد و قوله: إلا زيدا قرينة تدلّ السامع على مراد المتكلّم، و أنّه أراد بالقوم غير زيد، انتهى.
و كان المصنّف ارتضى هذا الجواب حيث قال في الحدّ: هو المذكور بعد إلا و أخواتها للدلالة على عدم اتّصافه بما نسب إلى سابقة، لكن قال الرضيّ: إنّه ليس بشيء لإجماع أهل اللغة على أنّ الاستثناء مخرج، و لا إخراج إلا مع الدخول، و أيضا يتعذّر دعوى عدم الدخول في قصد المتكلّم في نحو له على عشرة إلا واحدا، لأنّ الواحد في العشرة بقصده ثمّ أخرج، و إلا لكان مريدا بلفظ العشرة تسعة، و هو محال.