الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٣٠
الأوصاف على المشهور، و يجوز على ذلك من حيث الصناعة قطعهما مرفوعين و منصوبين و بالتفريق [١].
قال ابن جنىّ [٢] في الخصائص: و ما أحسنه هاهنا، ذلك أنّ اللّه تعالى إذا وصف، فليس الغرض من ذلك تعريفه بما يتبعه من صفته، لأنّ هذا الاسم لا يتعرّض شكّ فيه، فيحتاج إلى وصف لتلخيصه، لأنّه الاسم الذى لا يشارك فيه على وجه، و بقيّة أسمائه جلّ و علا كالأوصاف التابعة للاسم، و إذا لم يعترّض شكّ فيه، لم تجئ صفته لتلخيصه، بل للثناء على اللّه تعالى، و إذا كان ثناء، فالعدول عن إعراب الأوّل أولى به، و ذلك أنّ اتباعه إعرابه جار في اللفظ مجرى ما يتبع للتلخيص و التخصيص، فإذا هو عدل عن إعرابه علم أنّه للمدح أو للذمّ فى غير هذا عن اللّه تعالى، فلم يبق هنا إلا المدح، فلذلك قويّ عندنا اختلاف الإعراب بتلك الأوجه التّى ذكرناها، انتهى.
و ذهب الأعلم [٣] و ابن مالك [٤] و ابن هشام [٥] إلى أنّهما مجروران، أمّا الرحمن فعلى البدلية من لفظ الجلالة و لا يجوز كونه وصفا، لأنّه صار علما بالغلبة، و أما الرحيم فلكونه وصفا للرحمن، فلا يجوز كونه وصفا للجلالة، لأنّ البدل لا يتقدّم على الوصف.
قال [ابن هشام] في المغني: فالسؤال الذى سأله الزمخشرى و غيره، لم قدّم الرحمن مع أنّ عادتهم تقديم غير الأبلغ كقولهم: عالم نحرير و جواد فيّاض، غير متّجه و ممّا يوضح أنّ الرحمن غير صفة مجيئه كثيرا غير تابع، نحو، الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ [الرحمن/ ١]، قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء/ ١١٠]، وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَ مَا الرَّحْمنُ [الفرقان/ ٦٠]، انتهى.
و ابتدأ المصنّف، رحمه اللّه، كتابه بالبسملة، اقتداء بالكتاب العزيز، و ما عليه الإجماع، و لأنّه أمر ذو بال، فينبغى افتتاحه بها لما ورد به الخبر «كلّ أمر ذى بال لم يبدأ
[١] - يعني بما أنّ المنعوت «اللّه» متّضحا بدون الصفتين «الرحمن و الرحيم» جاز فيهما الاتباع و القطع، و إذا قطع النعت عن المنعوت رفع على إضمار مبتدأ، أو نصب على إضمار فعل. و بالتفريق يعني برفع الأولى و نصب الثانية و بالعكس.
[٢] - ابن جني: هو أبو الفتح عثمان بن جنيّ، (٩٤٢- ١٠٠٢) يونانىّ الأصل، ولد فى الموصل قبل ٣٣٠ ه، من آثاره: الخصائص و سرّ صناعة الإعراب. فؤاد إفرام البستاني، دائرة المعارف، ج ٢، بيروت، لاط، ١٩٦٤ م، ص ٤١٥.
[٣] - يوسف بن سليمان النحويّ الشنتمرىّ المعروف بالأعلم، كان عالما بالعربيّة و اللغة و معاني الأشعار، اشتهر بشروحه منها: شرح المعلّقات و شواهد سيبويه، بغية الوعاة ج ٢ ص ٣٥٦.
[٤] - أبو عبد اللّه جمال الدين، من الأئمة المشهورين فى علم النحو، ولد بالأندلس سنة ٦٠٠ ه، من آثاره «الألفية في النحو» توفّي سنة ٦٧٢ ه بدمشق. فؤاد إفرام البستانىّ، دائرة المعارف، ج ٤ ص ١٧.
[٥] - عبد اللّه بن يوسف ابن هشام الأنصاريّ الشيخ جمال الدين النحويّ الفاضل و العلامة المشهور، صنف:
مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، شذور الذهب في معرفة كلام العرب و ...، بغية الوعاة ٢/ ٦٨.