الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٢٦٤
و قوله [من الطويل]:
٢١٣- سقاها ذوو الأحلام سجلا على الظّما
و قد كربت أعناقها أن تقطعا [١]
و خصّ المقاربة اقتران خبر كاد بالضرورة. و قال البدر الدمامينيّ في شرح التسهيل، و لم يذكر سيبويه في خبرها إلا التجريد، انتهى. قلت: و ليس كذلك، بل هو قائل باقتران خبر كاد، و ذلك أنّه قال في قوله [من الطويل]:
٢١٤- ...
و نهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله
« فلم أر مثلها خباسبة واحد»،
[٢]
إنّ الأصل أن افعله، فاضمرت أن، فإذا كان يقول باقترانه تقديرا، فلأن يقول:
باقترانه صريحا أولى، و الّذي ذكر ابن هشام و غيره أنّ الّذي لم يذكر سيبويه في خبره إلا التجرّد، و هو كرب، قال: و هو مردود بالسماع. و قال المبرّد في «أفعله» في المصراع المذكور: الأصل «أفعلها» فحذفت الألف، و نقلت حركة الهاء إلى ما قبلها.
قال ابن هشام: و هو أولى من قول سيبويه، لأنّه أضمر أن في موضع حقّها أن لا يدخل فيه صريحا، و هو خبر كاد، و اعتدّ بها مع ذلك بإبقاء عملها، انتهى.
و يغلب في خبر فعلين «الأوسطين» و هما عسى و أوشك «اقترانه بها»، أي بأن، «نحو قوله تعالى: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ [الإسراء/ ٨]»، و قوله الشاعر [من الطويل]:
٢١٥- و لو سئل النّاس التّراب لأوشكوا
إذا قيل هاتوا أن يملّوا و يمنعوا [٣]
و ذلك لأنّ عسى من أفعال التّرجّي، و هو مختصّ بالاستقبال، فناسب اقتران خبرها بأن الموضوعة له، و كان القياس وجوب ذلك، حتى ذهب البصريّون و الجمهور إلى أنّ التجريد ضرورة، و أما أوشك فإنّما يغلب معها الاقتران حيث جعلت للترجّي أختا لعسى. قال الشاطبيّ [٤]: و الصحيح ما ذكر الشلوبين و تلامذته ابن الضايع و الأبذيّ [٥]و ابن أبي الربيع، أنّ أوشك من قسم عسى الّذي هو للرّجاء. قال ابن الضائع: و الدليل على ذلك أنّك تقول: زيد عسى أن يحجّ، و يوشك زيد أن يحجّ و لم يخرج من بلده، و
[١] - البيت لأبي يزيد الأسلمي، اللغة: الأحلام: جمع حلم بمعنى العقل و الاناة، سجلا: الدلو مادام فيها ماء.
[٢] - صدره
«فلم أر مثلها خباسبة واحد»،
و هو لامري القيس، أو لعامر بن جؤين. اللغة: الخباسبة: المغنم، الغنيمة، نهنهت: زجرت و كفقت.
[٣] - هذا البيت أنشده ثعلب عن ابن الإعرابي، و لم ينسبه إلى أحد.
[٤] - القاسم بن فيرة الشاطبي النحوي الضرير كان إماما فاضلا في النحو و القراءات و التفسير و الحديث، صنف: القصيدة المشهورة في القراءات، مات سنة ٥٩٠، بغية الوعاة ٢/ ٢٦٠.
[٥] - هناك نحويّان باسم الأبذي: الأوّل: على بن محمد، كان نحويّا ذاكرا للخلاف في النحو و قيل هو حدّ النحو في زمانه، مات سنة ٦٨٠ ه. المصدر السابق ٢/ ١٩٩. و الثاني إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الأبذيّ كان فقيها حافظا، ذاكرا لللغات و الأدب، نحوّيا ماهرا مات سنة ٦٥٩ ه، المصدر السابق ١/ ٤٢٤.