الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٢٦
ازدحم عليه الصغير و الكبير، فأينعت [١] رياض أصبهان بغوادى [٢] فضله و روائحه، و طابت بلاد فارس بغوالى [٣] أدبه و روائحه، و هناك ظهرت فضائله، و تحقّقت لراجيه مخائله [٤]، فاض بدرا، و فاض بحرا، و صنّف التصانيف الظاهرة، و ألّف التآليف الباهرة، فأحيا بها من الفضل عافيا، و أبدى بها من العلم خافيا، و لم يزل مع ذلك مشوش البال، كثير الهمّ و البلبال [٥]، آنفا [٦] من الانحياش [٧] إلى السلطان، مؤثّرا للغربة على الاستيطان، يؤمّل العود إلى السياحة، و يرجو الإقلاع عن تلك الساحة، رغبة عن دار الفناء في دار البقاء، فلم يقدر له حتى حواه رمسه [٨]، و طواه عن غده أمسه، فعطّلت له المدارس، و أصبحت ربوع [٩] الفضل، و هى دوراس [١٠]، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة/ ١٥٦].
و حكى لي بعض أجلاء الأصحاب أنّ الشيخ (ره) قصد زيارة المقابر قبل وفاته بأيام قلائل في جمع من أصحابه، فما استقرّ بهم الجلوس حتّى قال لهم الشيخ: أسمعتم ما سمعته؟ قالوا ما سمعنا شيئا، و سألوه عمّا سمعه؟ فلم يجبهم، و رجع إلى داره، فأغلق بابه، فلم يلبث أن أهاب به [١١] داعي الرّدى، فأجابه، و انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء، و من محلّ الحجبة إلى محلّ اللقاء، و لم يخبر أحدا بما سمعه.
و كانت وفاته ثاني عشر شوال سنة إحدى و ثلاثين و ألف بأصبهان، و نقل قبل دفنه إلى طوس، فدفن بها في داره قريبا من الحضرة الرضوية، على صاحبها أفصل الصلاة و السّلام و التّحية، و الجبعيّ بضمّ الجيم و فتح الباء الموحدة فعين مهملة مكسورة نسبة إلى جبع، و هى قرية من قرى جبل عاملة، و العامليّ بفتح العين المهملة، و بعدها ألف و ميم مكسورة، نسبة إلى جبل عاملة، قطر [١٢] بأرض الشام إلى جهة الجنوب من أعمال مدينة صفد [١٣] باعتبار إقامته بها مدّة، و إلا فمولده بعلبك [١٤] على ما سمع منه، و عاملة
[١] - أينع: طاب و حان قطافه.
[٢] - الغوادي: جمع الغادية: السحابة تنشأ و تمطر غدوة، و تقابلها الروائح جمع الرائحة.
[٣] - الغوالي: جمع الغالية: أخلاط من الطيب كالمسك و العنبر.
[٤] - المخائل: جمع مخيلة و هي السحابة الّتي تخالها ماطرة لرعدها و برقها.
[٥] - البلبال: شدّة الهمّ و الوسواس ج بلابل و بلابيل.
[٦] - آنفا: من أنف- بمعني استكف و استكبر.
[٧] - الانحياش: الاجتماع.
[٨] - الرمس: القبر.
[٩] - الربوع: جمع الربع بمعني الدار.
[١٠] - دوارس: جمع الدارس بمعني العافي و الذاهب أثره.
[١١] - أهاب به: دعاه للعمل أو لتركه.
[١٢] - القطر: الناحية (ج) اقطار.
[١٣] - صفد: مدينة في فلسطين بالجليل الأعلى شرقىّ عكّا.
[١٤] - مدينة لبنانية و موقع أثرى من آثارها هيكل باخس و الأعمدة الستة.