مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٧١٩
و قد ظهر بالعرض الّذي عرضناه أنّ ما في كلمات الأصحاب - قدّس سرّهم - من استنتاج انحصار الحجّية في الظنّ أي الظنّ الشخصي بإبطال حجيّة الوهم خلط بين المقامين، و كان المفروض الفصل بينهما فإنّ إبطال حجيّة الوهم وحده غير كاف لإثبات انحصار الحجّية في الظن الشخصي إذ يبقى احتمال حجّية الظن النوعيّ. و المحقّق النائيني رحمه اللّه أفاد: إنّ الوهم لا يكون مرجعا لعدم معقولية حجّيته إذ ليست فيه جهة كشف أصلا حتى يجعل حجّة. و هذا الكلام - بقطع النّظر عن صحته و بطلانه في نفسه - إمّا ناظر إلى خصوص إبطال مرجعية الوهم أو مبنيّ على الخلط بين المقامين [١]. و على أيّ حال فالمقصود أنّ هذا الوجه لو تمّ لا يثبت به تعين الظن الشخصي في قبال الظن النوعيّ، فلو لم نقبل باشتمال الوهم على الكشف و إمكان جعل الحجّية له فلا ينبغي الإشكال في أنّ الظن النوعيّ له جهة كشف و يعقل جعله حجّة.
و ما يمكن أن يقال في تعيين الظن الشخصي في قبال الظن النوعيّ وجهان:
الوجه الأول - أن يقال: إنّ البناء العقلائي أو السيرة العقلائية في الأغراض المباشرية عند فرض عدم الاهتمام بها إلى درجة لزوم إحرازها القطعي بالاحتياط و نحوه قائم على العمل بالظن الشخصي، أمّا العمل بما يفيد الظن النوعيّ إذا وجد في مورد و لم يفد ظنّا شخصيا فلم نحرز بناءهم فيه على العمل به. و عندئذ فحجّية الظن الشخصي نثبتها بالإمضاء الثابت
[١] نصّ العبارة الواردة في فوائد الأصول الجزء ٣ ص ١٠٠ ما يلي: «لا بدّ في الطريق من أن يكون له جهة كشف و إراءة عن الواقع ليمكن تتميم كشفه بجعله و نصبه طريقا و بحسب الدوران العقلي ينحصر ذلك بالعلم و الظن و المفروض انسداد باب الأوّل فلم يبق إلاّ الثاني فلا مجال لاحتمال نصب غير الظن طريقا» و الظاهر أنّ مقصوده بالظن هو الظن الشخصي، و هو مشتمل على نفس الخلط الواقع فيه الأصحاب في المقام.