مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٩
الحكم المختص بفرض الشك، و إنّما نحتمل استحالة مدلول هذا الإطلاق، فهذا يكون عينا من قبيل مثال الأمر بإكرام العلماء مع احتمال استحالة وجوب إكرام العالم الفاسق الّذي مضى أنّ بناء العقلاء فيه على ترتيب آثار الإمكان و الأخذ بظاهر كلام المولى، إذ الشك إنّما هو في إمكان مدلوله، و يكفي في الحجّيّة احتمال الصدق.
و أمّا الإشكالان الأخيران فلا محيص عنهما بناء على المبنى المتعارف في الأصول من أنّ حجّيّة غير القطع يجب أن تكون بجعل من الشارع.
و لكنّنا نقول: إنّ دائرة حقّ المولويّة أوسع من دائرة الأحكام الواصلة بطريق القطع، و تشمل الأحكام الواصلة بالطريق الّذي اتخذه المولى عادة له في مقام إيصال أحكامه. و لا إشكال في أنّ ظهور الكلام من هذا القبيل، فيكون الظهور حجّة لا بمعنى جعل الحجّيّة له كي يتكلّم في إمكان ذلك و استحالته، بل بمعنى أنّ من حقّ المولى امتثال ظاهر كلامه. و عندئذ إذا فرضت دلالة ظاهر كلام المولى على جعل طريق و حكم ظاهريّ، فلا إشكال في أنّ بناء العقلاء على ترتيب أثر إمكان ذلك الحكم الظاهريّ و الأخذ بظاهر كلام المولى، لأنّ الشك إنّما هو في إمكان مدلول ذلك الظاهر لا في حجّيّته، و يكون من قبيل مثال الأمر بإكرام العلماء مع احتمال استحالة وجوب إكرام العالم الفاسق [١]..
[١] و بهذا يندفع الإشكال الأوّل أيضا و هو إشكال عدم الثمرة.
و واقع الحال أنّنا بالنسبة لإمكان أصل الحكم الظاهري (بمعنى الحكم المختصّ بظرف الشك) في الجملة لسنا بحاجة إلى أصالة الإمكان، لأنّ الحكم الظاهريّ الأوّل في تسلسل الأحكام الظاهريّة و هو حجّيّة الظهور قطعيّ نأخذ به حتى على مبنى القوم من اختصاص الحجّيّة الذاتيّة بالقطع. و بعد ذلك يصبح دليل الأحكام الظاهريّة الأخرى و بقاء الحكم الواقعيّ في ظرف الشكّ حالهما حال مثال الأمر بإكرام العلماء. أي أنّ الشك يكون في المدلول لا في حجّيّة الدليل.