مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٩٨
على أصالة الحسّ لدى دوران الأمر بينه و بين الحدس.
و تحقيق الكلام في هذا المقام هو أنّ بناء العقلاء على الحسّ قائم على أساس نكتة الكشف في نفس الخبر، توضيح ذلك: أنّه مضى أنّ البناء العقلائي لا يقوم على أساس أمر تعبّدي صرف بأن يرجّحوا أحد طرفي الاحتمال المتساويين على الآخر تعبّدا، بل يقوم على أساس ثبوت الكاشف في المرتبة السابقة، و لمّا كان الغالب في الأخبار التي من شأنها إدراكها بالحسّ كونها بداعي الإخبار عن حسّ لا عن حدس تحقّق للخبر ظهور تصديقيّ سياقي في كونه بهذا الداعي نظير أنّ غلبة كون مثل قوله:
(زيد قائم) بداعي الإخبار عن ثبوت المحمول للموضوع أوجبت ظهورا تصديقيا سياقيا للكلام في ذلك، فالمخبر حينما يخبر عن شيء من شأنه إدراكه حسّا كموت زيد يكون كأنّه قال مثلا: إنّي أدركت حسّا أنّ زيدا مات، فإذا كان هذا المخبر ثقة اعتمدنا على ما يظهر من كلامه من أن إخباره إخبار حسيّ، فالحسيّة في الحقيقة تثبت بضمّ قانون حجّيّة الظهور إلى حجّية خبر الثقة من دون أن تكون أصالة الحسّ أصلا ثالثا مستقلا في قبال أصالة الظهور و حجّيّة خبر الثقة، فلو اكتنف الكلام بما يصلح للقرينيّة على الحدس و يوجب الإجمال سقط الدليل على حسيّة الخبر، كما يسقط لدى إقامة القرينة الفعليّة على الحدس. أمّا لو قلنا بأصالة الحسّ كأصل مستقلّ بقطع النّظر عن ظهور الكلام فأجريناها في موارد اكتناف الكلام بما يصلح للقرينيّة على الحدس و يوجب الإجمال، فهذا يعني أنّ أصالة الحسّ أصل تعبّدي بحت، و ترجيح لأحد طرفي الاحتمال المتساويين على الآخر تعبّدا غير قائم على أساس ثبوت كاشف في المرتبة السابقة، و قد قلنا: إنّ بناء العقلاء لا يقوم على أساس من هذا القبيل.