مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٣٧
الثاني - أنّنا لو غضضنا النّظر عن الحكومة و فرضنا أنّ دليل حجّية خبر الواحد لا يتكفّل جعل العلم و الطريقيّة، بل يتكفّل جعل الحكم المماثل مثلا، فأدلّة حجّية خبر الواحد تتقدّم على تلك الآيات بالأخصية، لأنّها واردة في مطلق الظنّ و تلك الأدلّة تختص بخبر الواحد:
و هذا الكلام بهذا النحو من الإهمال غير صحيح، بل لا بدّ من استحضار الصور التفصيلية لأدلّة حجّية خبر الواحد كي يرى أنّ هذا الجواب يتمّ بلحاظها أو لا؟ و باستحضار تلك الصور يعرف أنّ الجواب بالأخصّيّة يتمّ بلحاظ بعضها، و لكن بعضها الآخر لو تمّت دلالته لا معنى لتقديمه على الآيات بالأخصيّة.
فسيرة العقلاء مثلا - إن تمّت دليلا على حجّية خبر الواحد - يجب أن يرى أنّها هل هي في الاستحكام بمرتبة لا تعدّ مثل هذه الآيات ردعا لها أو لا؟. فعلى الأوّل تقدّم على الآيات و إن فرضت غير أخصّ. و على الثاني لا تقدّم عليها و إن فرضت أخصّ.
و آية النبأ إن تمّت دليلا على حجّية خبر الواحد، فنسبتها إلى تلك الآيات عموم من وجه، فإنّ أحسن تقريب لثبوت المفهوم لها - و إن كان المختار عدم ثبوت المفهوم لها - هو: أنّها تدلّ بمفهوم الشرط على عدم وجوب التبين عند عدم مجيء الفاسق بنبإ، و هذا يشمل بإطلاقه صورتي مجيء العادل بنبإ و عدمه، ففي الصورة الثانية يكون انتفاء وجوب التبين بانتفاء
- فيما يروي عنّا ثقاتنا»، و ليس كلّ دليل يثبت الحجّية أو ينفيها فهو يثبت جعل العلم أو ينفيه أمكن دعوى حكومة خصوص ذاك اللّسان على آيات النهي عن العمل بغير العلم، و كذلك لو استفيد من ذاك اللّسان التنزيل منزلة العلم. نعم يبقى الإشكال في أصل المبنى بأن يقال:
إنّ جعل العلم التعبّدي لا أثر له، لأنّ الأثر كان للعلم الوجداني، و أنّ روح المستفاد من الدليل ليس عدا الاهتمام بالأغراض الواقعيّة، لا جعل العلم و لا التنزيل منزلة العلم، و ليست هذه عدا صياغات تعبيريّة تشير إلى ذاك المعنى.