مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٩٨
متعلّق بالعمل بخبر الفاسق. و على هذا فنحن بحاجة أيضا إلى برهان الأسوئيّة لأنّ المفهوم إنّما دلّ على أنّه إن كان الجائي بالنبإ عادلا لم يجب التبيّن بالوجوب الغيري المقدّمي، و ذلك إمّا لعدم وجوب ذي المقدّمة أصلا، أي عدم وجوب العمل بخبر العادل حتى بعد التبيّن، و إمّا لعدم المقدّمية، أي أنّه يجب العمل به بلا تبيّن، و بما أنّ الأوّل مستلزم للأسوئيّة يتعيّن الثاني.
أقول: ما فرّعه على كلامه من الاحتياج إلى برهان الأسوئيّة تفريع صحيح، لكن أصل كلامه غير صحيح، لأنّنا نقول: هل الأمر النفسيّ الّذي فرضه متعلّقا بالعمل بخبر الفاسق متعلّق بالعمل به مطلقا؟ أو متعلّق بالعمل به على تقدير حصول الوثوق و الظنّ فلا يجب العمل بمطلق خبر الفاسق، بل يجب العمل بخصوص خبره الموثوق به المظنون صدقه؟ [١]. فإن فرض الأوّل، لم يكن التبيّن مقدّمة لذلك، إذ من الواضح إمكان العمل بخبر الفاسق بلا تبيّن، فلا معنى لكون التبيّن واجبا بالوجوب الغيري. و إن فرض الثاني فالتبيّن يكون واقعا في طريق تحصيل مقدّمة الوجوب لا مقدّمة الواجب، و من المعلوم أن إيجاب مقدّمة الوجوب لا يكون تحت الوجوب الغيري [٢].
[١] و إذا أردنا تكميل الشقوق الثلاثة التي يمكن فرضها في المقام، فهنا احتمالان آخران ذكرهما أستاذنا الشهيد فيما لم أحضره في دورته الأخيرة - على ما نقل عنه - و أبطلهما:
أحدهما - كون تحصيل الظنّ بالصدق قيدا للواجب لا للوجوب، أي يجب العمل بخبر الفاسق بعد تحصل الظنّ بصدقة، أي أنّه لا بدّ أن نحصّل الظنّ بصدقة أو لا ثم نعمل به.
و هذا واضح البطلان، إذ ليس المطلوب تحصيل الظنّ بصدق الفاسق، و إنّما المطلوب هو الإبعاد عن الإصابة بجهالة.
و ثانيهما - أن يكون قيد الواجب أو الوجوب هو الظنّ بالكذب لا الظنّ بالصدق. و هذا أيضا واضح البطلان، فالظنّ بالكذب لا يمكن أن يكون دخيلا و قيدا للعمل بالخبر.
[٢] هذا الإشكال تارة نقيسه إلى الاحتمال الثالث في الأمر بالتبيّن و هو كونه أمرا