مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٦١
إلى التخصّص يكتفي العقلاء بكلام أهل الخبرة سواء كان على أساس الحدس أو الحس، و في غيرها لا يكتفي العقلاء بكلام من يخبر عن الحدس، و أمّا المخبر عن الحسّ فلو قلنا بعدم كفاية الخبر الواحد في الموضوعات فلا بدّ في قبول شهادته من شرائط البيّنة.
و من المعلوم: أنّ اللغة من القضايا العامّة التي تحتاج إلى التفرّغ و التخصص للذهاب إلى القبائل العربية الأصيلة في لسانها و بياناتها، و تتّبع موارد استعمالاتها و الالتفات إلى نكات تعبيراتها ثم تبليغ ذلك إلى الآخرين، فالسيرة العقلائية في الرجوع إلى أهل الخبرة و هم اللغويون في المقام تامّة.
أمّا القول بأنّ أهل اللّغة ليسوا من أهل الخبرة بتمييز المعاني الحقيقة عن المجازية بدليل عدم تصديهم لتحقيق هذا المطلب في كتبهم و بياناتهم، و لو كانوا من أهل الخبرة لسجّلوا نتائج خبرتهم في بحوثهم، فهذا إشكال إثباتي في المقام و تحقيقه يكون بالرجوع إلى حال أهل اللّغة لأجل أن يرى أنّ خبرتهم صرفوها في المقام الأول فقط، أو صرفوها في المقام الثاني أيضا، و ليس إشكالا علميّا كي نقيمه علميا في المقام.
و أمّا القول بأنّ أهل اللّغة لا يمكن أن يكونوا من أهل الخبرة بالحقيقة و المجاز لأنّ مستندهم الاستعمال، و الاستعمال أعم من الحقيقة. فهذا إشكال فنّي و جوابه: إنّه ليس الأمر كذلك، فإنّ تتّبع موارد الاستعمال في جملة من الموارد قد يستخدم مع إعمال النّظر و الحدس في تعيين المعنى الحقيقي في قبال المعنى المجازي.
فمثلا لو فرض أنّ اللغويين تتّبعوا موارد استعمال كلمة أسد في الرّجل الشجاع و في الحيوان المفترس، و رأوا أنّ استعمالها في الحيوان المفترس أقدم تاريخيا من استعمالها في الرّجل الشجاع، و رأوا بالتتبّع و الفحص أنّه في كل مورد استعملت كلمة الأسد في الرّجل الشجاع عطفت عليها كلمة أخرى