مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٠٢
الشارع الأقدس نحتاج في إثبات السيرة المعاصرة إلى طريق، و لذلك عدّة طرق:
الطريق الأول: ما يبدو في أول وهلة للنظر و هو إثبات السيرة المعاصرة للشارع عن طريق السيرة المعاصرة لنا بروحيّة الاستصحاب القهقرائي، سواء كانت سيرة عقلائية، أو سيرة المتشرعة. و تقريب ذلك في السيرة العقلائية هو الحدس بأنّ هذه السيرة إنّما نشأت من القريحة العامّة المشتركة في العقلاء الماضين منهم، و المتسلسلة إلى الموجودين، فيثبت بذلك وجود السيرة في ذلك الزمان. و في سيرة المتشرعة [١] أنّ من البعيد جدا افتراض أنّ السيرة الموجودة في زماننا حصلت دفعة بنحو الانقلاب من دون تلقّيها من زمن الشارع الأقدس، و هذا الاستبعاد واصل إلى حد الاطمئنان بالعدم، فالظاهر أنّها سيرة موروثة يدا بيد متّصلة إلى زمان الشارع، و إلاّ لكان انقلاب السيرة السابقة إلى السيرة الموجودة يعدّ من الأعاجيب، و هذا ما يطمئن بخلافه. إمّا بنفسه، أو باعتبار أنه لو كان لكان ينقل للناس على حدّ نقل الأمور الغريبة، و كان يصلنا نقل ذلك. فمثلا لو رأينا سيرة المتشرعة اليوم على الإخفات في صلاة ظهر الجمعة نعلم أنّها مأخوذة من الأجيال السابقة إلى زمان الإمام عليه السلام، و لو كانت السيرة في زمانهم على الجهر ثم انقلبت إلى ضدّها لكان ذلك من الغرائب و لكان مما يتناقل بين الناس.
- و هذا القسم من السيرة لا بدّ من ثبوتها في زمن صدور النص، كي تؤثّر على الظهور وقتئذ فإنّ الحجّية إنّما هي لظهور النص في وقت صدوره.
إلاّ أنّنا إذا أحرزنا ثبوت هذا الارتكاز في عصرنا و احتملنا ثبوته في عصر صدور الدليل كفى ذلك للتأثير على ذاك الدليل، لا باعتبار أنّه يشكّل احتمال وجود القرينة المتّصلة و لأنا في لهذا الاحتمال. أقول: لا بهذا الاعتبار فحسب بل باعتبار أنّ المسألة تدخل تحت كبرى أصالة عدم النقل التي هي حجّة في باب دلالات الألفاظ.
>[١] و هذا التقريب يأتي في السيرة العقلائيّة أيضا مع جوابه، و سنشرح ذلك.