مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٨٧
تتطوّر اللّغة تبعا لتطوره فاللّغة تتأثر بمختلف العوامل المؤثّرة في الأفكار و الحاجات و التعايش و المجتمعات و نحو ذلك، فترى التطوّر و التغير في اللّغة بحسب اختلاف الأمكنة و الطبقات و الزمان، تارة في وضع كلمة جديدة أو نشوء سياق جديد، و أخرى في معنى الكلمة السابقة أو السياق القديم، و نظرنا فعلا إلى القسم الثاني أي التطور في معنى الكلمة أو السياق، كما نرى مثلا من أنّ كلمة الاشتراكية تعطي في زماننا معنى لم تكن تعطيه في ما سبق. و هذا النمط من التغيّر في الكلمة أكثر بكثير من التغيّر فيها بمعنى وضع كلمة جديدة، أي عادة حينما تتغيّر الأحوال يتصرّف الناس في نفس الكلمات المأنوسة لديهم سابقا من دون الاستفادة من الكلمات التي كانت مهملة لديهم ككلمة «ديز»، و التطور كما يقع في الكلمات يقع في الدلالات السياقية للجمل التركيبية فإنّ تأثير العوامل المختلفة ليس مختصا بالظهور الوضعي بل يقع في الظهور السياقي أيضا فيؤثّر في اختلاف الأفكار و الحاجات و البيئات بمرور الزمان، و قد يتفق اختلاف الظهور السياقي في زمان واحد لطبقتين باعتبار اختلاف المطالب التي أنست بها هذه الطبقة أو تلك مثلا. و لأجل توضيح الفكرة أذكر حكاية وقعت لي و هي أني راجعت حديثا في باب الحجّ يسأل فيه الراوي الإمام عليه السلام عن رجل عليه دين هل عليه أن يحجّ؟ قال نعم. فقد فهمت أول الأمر من هذا الحديث أنّه مهما وقع التزاحم بين الحجّ و الدّين المنجّز كلّ واحد منهما بالفعل بغض النّظر عن الآخر كان الحجّ أهمّ و مقدّما على الدّين. ثم احتملت أنّ هذا الفهم ناشئ من أنس ذهني بمطالب باب التزاحم، و أنّ هذا الكلام ظاهره أنّ الدّين ليس من المستثنيات في باب الحجّ. فلو كان ما لديه من المال بمقدار لو خرج منه الدّين لسقط عن الاستطاعة لم يكن هذا موجبا لعدم وجوب الحجّ عليه. ثم راجعت كلمات الفقهاء فرأيتهم فهموا من الحديث المعنى الثاني.