مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٦٨
على الحجّية، و آخر يدّعي الوجدان على الخلاف. أمّا إذا عرفنا أنّ نكتة السيرة العقلائية هي الكاشفية و الأمارية لا التعبّد الصرف كما هو الحال في كلّ الأصول العقلائية - على ما هو متسالم عليه بين علماء الأ صول -، و عرفنا أيضا أنّ هذه الكاشفية تكون على أساس حساب الاحتمالات القائم على أساس الغلبة، بمعنى أنّ الغالب في المتكلّم أن يطبّق ظاهر كلامه على واقع مرامه، فعندئذ قد لا تبتلي السيرة العقلائيّة لدينا بالغموض كي نقتصر على عملهم الخارجي بل نرجع إلى ما عرفناه من النكتة، و نميّز بشكل أتمّ و أتقن موارد الحجّية من موارد عدم الحجّية فنرى مثلا: انّه ليس الغالب في المتكلّم أن لا يوصل كلامه بقرينة متّصلة فلا كاشفية لأصالة عدم قرينيّة الموجود، فنكتة السيرة غير موجودة، أو نرى مثلا: أنّ الغلبة و الكاشفية موجودتان بالنسبة لمن لم يقصد إفهامه فنكتة السيرة ثابتة، و ما إلى ذلك من الأمثلة، فهذا دور الصناعة في كبرى حجّية الظهور.
و أمّا الكلام الثاني أعني دور الصناعة في إحراز الظهور فهنا نحن بحاجة إلى البحث لأجل تحديد مقدار دور الصناعة في باب الدلالات. فمن ناحية هنا كلام قد يتردّد على الألسن و هو أنّه لا معنى لإعمال الصناعة في معرفة الظهور، و إنّما يجب الرجوع فيه إلى العرف و إلقاء الكلام على الفرد المتعارف و الناس الاعتياديين لكي نرى ما ذا يفهمون منه، و من ناحية أخرى نرى أنّ سيرة المحقّقين لم تكن على ذلك ففي جملة من الموارد أدخلوا الصناعة في فهم الظهور، فما أكثر ما يتكلّمون صناعة في إثبات المفهوم مثلا للقضية الشرطية، أو في أنّ صيغة (افعل) هل تدلّ على الوجوب بمقدّمات الحكمة أو بقرينة عامة أخرى أو لا؟، و ما إلى ذلك من الأمثلة.
فمن هنا احتجنا في مقام حلّ هذا التناقض بين هذين الأمرين - أي بين ما قد يقال و ما قد يفعل - إلى تحديد دور الصناعة و مقدار أثرها في باب دلالة الألفاظ.