مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٩٧
بشموله للخبر الحدسيّ بدعوى أنّ الأداء عنه مطلق يشمل الأداء عن حسّ و الأداء عن حدس، لكنّه معلّل بقوله فإنّهما الثقتان المأمونان، و قد مضى أنّ ظاهر التعليل في مثل المقام هو التعليل بأمر عقلائي لا بأمر تعبّدي صرف. و من المعلوم أنّ الوثاقة في باب الإخبار إنّما تكون في نظر العقلاء في الخبر الحسّي لكون الثقة بعيدا فيه عن الكذب لوثاقته، و عن الخطأ لحسيّة الخبر.
و أمّا الخبر الحدسيّ فتكثر الأخطاء فيه و لا يعدّ مخبره ثقة في ما قاله بما هو خبر يحتاج عالم آخر إلى الأخذ به، و إن كان يعدّ ثقة في ذلك بما هو فتوى يحتاج إليها العامي، فيدلّ هذا الحديث على حجّية الفتوى للعاميّ، و لا يدلّ على حجّيّة الخبر الحدسيّ لفقيه آخر. أمّا حمل الحديث على فرض المخبر عن حدس ثقة في خبر بما هو خبر تعبّدا، فهو خلف ما قلناه من أنّ ظاهر التعليل هو التعليل بأمر عقلائي لا بأمر تعبّدي صرف [١].
ثمّ إذا شككنا في خبر مّا أنّه خبر عن حسّ أو عن حدس، و كان المخبر به ممّا يقبل عادة إدراكه بالحسّ، فالظاهر أنّه لم يستشكل أحد - و لا ينبغي الإشكال - في البناء على الحسّية، و حجّيّة خبر الواحد.
و الوجه في ذلك في نظر المحقّق الخراسانيّ - رحمه اللَّه - هو بناء العقلاء
[١] هذا البيان لأستاذنا الشهيد - رحمه اللَّه - في إبطال دلالة السنّة على حجيّة خبر الثقة الحدسي مبتن على ما كان يعتقده وقتئذ من أنّ الحديث الوحيد القطعي أو شبه القطعي من أحاديث حجيّة خبر الثقة هو حديث العمري و ابنه ثقتان.
أمّا بناء على كون التوقيع الشريف أيضا كذلك و هو قوله. أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فهذا التقريب لإبطال الاستدلال لا يأتي فيه كما هو واضح، فينحصر أمر إبطال الاستدلال به ببيان آخر مشترك بين الحديثين، و هو دعوى أنّ رفض العقلاء لحجيّة الخبر الحدسي و استبعادهم لها يوجب عدم تماميّة الإطلاق في نظر العرف للدليل اللفظي الدالّ على الحجّية، فلا يكون الدليل اللفظي شاملا للخبر الحدسي، ففرق بين أن نفترض أنّ العقلاء لم يجعلوه حجّة و لكن لا يستنكرون جعله حجّة من قبل المولى، و بين استنكارهم لذلك. فالثاني يوجب انصراف الإطلاق بلا إشكال.