مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٤٨
و أمّا الجملة الثانية - و هي قولهم: إنّ الشارع قد أمضى هذه السيرة العقلائية. فلإثبات هذا الإمضاء طريقان:
الأول - إثبات ذلك من باب قياس المساواة، أو الأولويّة باعتبار أنّ الشارع أحد العقلاء بل سيّدهم فلا محالة يسلك سلوك العقلاء.
و قد مضى إبطال هذا الوجه في بحث السيرة. و نقول في المقام: إنّ هذا الوجه لو تمّ في نفسه في محلّه لا يمكن تطبيقه على ما نحن فيه، لأنّ بناء الشارع على التقطيع في مقام البيان، و الاعتماد دائما على القرائن المنفصلة، و المخصّصات و المقيّدات المستقلة. بينما بالنسبة لسائر العقلاء يكون التقطيع حالة استثنائية، و نحن لم نر عاقلا غير الشارع كان بناؤه على التقطيع كي نرى أنّه هل جعل الظهور حجّة فيقاس الشارع به أو لا؟.
الثاني - إنّ بنائهم على الحجيّة في ما بينهم و جريهم عليها، و اعتمادهم دائما على الظهور يوجب تكوّن عادة و قريحة في نفوسهم بحيث يمشون عليها في الشرعيات أيضا، فلو لم يكن ذلك ممضى عند الشارع لكان يردع عنه لأنّ ذلك يشكّل خطرا على أغراض المولى و لو على مستوى مشي كثير من المتشرعة لا تمامهم وفق هذه السيرة.
و لا يقال: إنّ الردع قد حصل بأدلّة البراءة.
لأنّا نقول بالتوسعة في متعلّق العلم الّذي أخذ غاية للأصل، و أنّ المقصود به هو خطابات المولى [١].
و لا يقال أيضا بالردع بالآيات الناهية عن العمل بغير العلم. فإنّك قد عرفت أنّ الردع يكون لأجل دفع الخطر عن أغراض المولى. إذن: فكلّما كانت السيرة أقوى و أشدّ يجب أن يكون الردع أقوى و أصرح كي يقابل تلك السيرة، و يؤثر في التفات الناس و ارتداعهم. و هذه السيرة العظيمة
[١] و إن لم نقل بذلك فحال أدلّة البراءة حال الآيات الناهية عن العمل بغير علم.