مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٣٩
التقريب الأول - أنّ الشيخ الكليني - رحمه اللَّه - مثلا الّذي ينقل خبرا ببعض الوسائط الثقات عن الإمام المعصوم عليه السلام، فهو و إن كان بالمطابقة ينقل خبرا بالوسائط عن الإمام لكنه ينقل لنا بالملازمة قضيّة مانعة الخلوّ، و هي أنّه إمّا أنّ أحد الوسائط الثقات قد كذب (و المقصود بالكذب مخالفة الواقع)، أو أنّ الإمام عليه السلام قد قال كذا، و أنّ الحكم الشرعي هو كذا، و إخباره عن هذه القضيّة التي هي على نحو مانعة الخلو إخبار عن حسّ و بلا واسطة لأنّه قد سمع الراوي المباشر له حسّا عند نقله لهذا الخبر، فلو لم يكن كاذبا، و لم يكن أحد الوسائط الآخرين كاذبا فالحكم ثابت من الإمام حتما، و لو لم يكن الحكم صادرا من الإمام فقد كذب الراوي المباشر، أو أحد الوسائط الآخرين، إذ لا شكّ لدى الكليني - رحمه اللَّه - في صدور هذا الخبر عن الراوي المباشر له. و كلّ قضية مانعة الخلو تنحل إلى قضيتين شرطيتين مقدّمهما نفي أحد الطرفين و تاليهما إيجاب الطرف الآخر. إذن فالكليني - رحمه اللَّه - يخبر عن حسّ بقضيّة شرطية و هي أنّه لو لم يكذب أحد الوسائط فقد صدر هذا الحكم من الإمام - عليه السلام -، فيشمله دليل حجّيّة خبر الثقة، إذ لا فرق في حجّية خبر الثقة بين الإخبار عن كلام الإمام مطلقا، و الإخبار عنه على تقدير، كما في المقام حيث أخبرنا الكليني عن كلام الإمام على تقدير عدم كذب أحد الوسائط الثقات، و هذا التقدير ثابت لنا بنحو ملفق من الوجدان و التعبّد، لأنّ هذا الحديث إمّا أنّه لم يصدر من أحد من الوسائط فهم غير كاذبين وجدانا، أو صدر من بعضهم، أو جميعهم فهم غير كاذبين تعبّدا، فإذا ثبت الشرط بنحو ملفّق بين الوجدان و التعبّد، أو قل ثبت الشرط بالتعبّد، لأنّ النتيجة تتبع أخسّ المقدّمات، فقد ثبت الجزاء و هو صدور هذا الحكم من الإمام.
و إن شئت فقل: إنّ الثقات قبل الكليني لو سألنا أيّ واحد منهم هل كذبت في القضية الفلانية لقال: لا. فيثبت عدم كذبه باخباره عن ذلك