مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٩٩
استبعاد غفلتهم جميعا عن قاعدة الترتّب حسب نقطة السير في التفكير التي وصلوا إليها في ذاك الزمان، باعتبار أنّ الترتّب إنّما التفت إليه بحسب سير التاريخ بعد الالتفات إلى باب التزاحم و الفرق بينه و بين باب التعارض ممّا دعا العلماء إلى التفكير في الوظيفة لدى التزاحم و حلّ مشكلاته فاتّجهت أنظارهم إلى الترتّب، كما أنّ الالتفات إلى التزاحم أيضا كان متفرّعا على تولّد التفريعات في الفقه و التوسّع في ذلك مما يؤدّي إلى الالتفات إلى موارد تزاحم الأحكام في الفروع. و لعلّ أوّل كتاب كتب في التفريعات هو كتاب المبسوط للشيخ الطوسي - رحمه اللَّه - الّذي ذكر في أوّله: «أنّ العامّة كانوا يعيبون على الشيعة بعدم كتاب لهم في التفريعات». إذن فلا تستبعد غفلة العلماء جميعا قبل تاريخ كتاب المبسوط عن نكتة الترتّب التي كان المفروض وصول سير خط التفكير الاجتهادي إليه بعد حين.
و لا يتوهّم أنّ النكتة الأولى من هذه النكات الخمس و هي ضعف احتمال الخطأ أساسا في الحسّ و قوّته في الحدس يجب أن يرجع إلى النكات الأخرى و ليست نكتة مستقلّة، فإنّه و إن كان احتمال الخطأ في الحدس أقوى منه في الحسّ، و لكن السبب في ذلك إنّما هو باقي النكات، فلو لا عدم إحراز المقتضي للإصابة في باب الحدس و احتمال نكتة عامّة للخطإ في الجميع و غير ذلك، لما كان هناك مبرّر لكون احتمال الخطأ في الحدس أقوى منه في الحسّ.
و لكن الواقع أنّ المقصود بالنكتة الأولى الّتي بيّنّاها هو أنّ الحدس و الحسّ هما منظاران ينظر بهما إلى الواقع، و الثاني أصفى من الأوّل بكثير بقطع النّظر عن باقي النكات. فلنفرض موردا يكون المقتضي فيه للإصابة محرزا و يكون الكلام بشأن رأي شخص واحد لا أشخاص عديدة كي تتأتّى مسألة النكتة العامّة لكلّ الأخطاء، أو تعدّد الدوائر التي وقعت فيها