مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٨٥
و هنا يذكر أنّ كوننا مقصودين بالإفهام من الواضحات إذ من المعلوم أنّ الأدلّة إنّما هي بصدد بيان أحكام مشتركة بيننا و بين زرارة مثلا لا بصدد بيان أحكام خاصة به فلما كان الحكم عامّا وجب كون القصد عامّا.
و لكن لا يخفى أنّ مجرّد كون الحكم عامّا لا يعني كوننا مقصودين بالإفهام، فمن الممكن أن يكون الحكم مشتركا بيننا و بين مثل زرارة مع اختصاص المقصود بالإفهام بمثل زرارة فإنّ وجه تخصيصه بالإفهام هو أنّ الإمام عليه السلام كان يتكلّم بطريقة يختص فهمها بالمخاطبين لأجل قرائن كانت موجودة بينه و بينهم، و ليس معنى ذلك أنّه عليه السلام كان يتكلّم بحكم مختص بهم.
يبقى أنّه إذا كان غير المخاطبين غير مقصودين بالإفهام مع أنّ الحكم يشملهم فما ذا يصنعون في مقام استنباط الحكم؟. و الجواب: أنّهم يستنبطونه حسب القواعد الموضوعة لهم، فمثلا صاحب القوانين يرى أنّ ما هو الحجّة بشأنهم هو الظنّ المطلق لأجل عدم حجّية الظهور لهم و انسداد باب العلم و الحجّة عليهم. بخلاف المخاطبين الذين كانوا مقصودين بالإفهام، و كان الظهور حجّة لهم. فهنا طريقان للاستنباط: أحدهما التمسّك بالظهور و هو ثابت للمخاطبين. و الآخر التمسّك بالظنّ المطلق و هو ثابت لغيرهم. و هنا شيء واحد بالإمكان أن يقال في المقام و هو إنّ هذا المطلب غير محتمل في نفسه أي أنّنا لا نحتمل أنّ الشارع فرض طريقين للاستنباط أحدهما يختص بالمخاطبين و الثاني بغيرهم إذ لو كان كذلك لما اتّفقت سيرة المتشرعة في تمام الأعصر على العمل بالظهور دون رادع و لا زاجر. إلاّ أنّ هذا رجوع إلى ما مضى منّا من إثبات حجّية الظهور لغير المخاطبين أو غير المقصودين بالإفهام بالتمسّك بسيرة المتشرعة، و ليس إثباتا لكوننا مقصودين بالإفهام.