مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٦٧٣
الزمان الأول حرام بحرمة مشروطة بشربه للماء الآخر و لو في الزمان الثاني، إذ هذه الحرمة المقيّدة لا توجب الاضطرار فالمرفوع ليس هو أصل الحرمة، بل إطلاقها فلو شربهما معا و لو تدريجا فقد ارتكب حراما قطعيا مع حصول شرط الحرمة بالجزم و اليقين [١].
و إن فرض الأول فهناك مجال لتوهّم القول بأنّ شربهما تدريجا لا يوجب مخالفة لحكم معلوم، لأنّ الماء الأول شربه حلالا و لو فرض نجسا في الواقع، لأنّ شرط الحلّ كان هو عدم شرب الآخر في الزمان الأول و هو متحقّق، و أمّا الثاني فمن المحتمل طهارته.
و لكن التحقيق أنّ التقريب الّذي ذكرناه يأتي حتى في هذا القسم، فإنّ المولى إذا حرّم عليه شرب الماء النجس في الزمان الأول حرمة مشروطة بجامع شربه للماء الآخر الشامل لشربه إياه في الزمان الثاني أيضا لم يلزم من ذلك عسر و لا حرج على العبد، إذ يتمكّن من أن يشرب في الزمان الأول أحد الماءين و يرفع به الاضطرار، و لا يحقّق شرط حرمته على تقدير نجاسته
[١] قد يقال في فرض ما إذا لم يكن جازما من أول الأمر بشرب كلا الماءين ثم بدا له بعد شرب الماء الأول أن يشرب الماء الثاني أيضا: إنّه لم يرتكب عندئذ حراما منجّزا عليه، إذ لم يحصل له في آن من الآنات القطع بتكليف فعلي فإنّه حين ما شرب الماء الأول لم يكن يعلم بأنّه سوف يتحقّق شرط حرمة هذا الشرب لو كان نجسا، فإنّ شرط حرمته هو شرب الماء الآخر و هو غير جازم بتحقّقه، و حين شربه للماء الثاني لا يعلم بأنّ الحرام هو الثاني. و إن شئت فافترض أنّه حين شربه للماء الأول كان جازما بعدم شرب الماء الثاني ثم بدا له أن يشرب الماء الثاني، فحين شربه للماء الأول كان قاطعا بجواز شرب الماء الأول و حين شربه للماء الثاني ليس قاطعا بحرمة شرب الماء الثاني. نعم هو يعلم أنّ الحرام إمّا هو الثاني أو هو ما مضى، و العلم الإجمالي التدريجي إذا حصل بعد انعدام بعض أطرافه لم يكن منجّزا.
و أجاب أستاذنا الشهيد رحمه اللّه على ذلك بأنّه حين شربه للماء الثاني يعلم بأنّ شرب الثاني محقّق للحرام إمّا باعتباره حراما بنفسه أو باعتباره محققا لشرط حرمة ما مضى فلو لم يشربه لم يتحقّق حرام أصلا و لو شربه تحقّق الحرام، و الإتيان بما يتحقّق به الحرام جزما ممنوع من قبل العقل.