مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٢٨
المقارنة بين بياننا للسيرة و بيان الأصحاب:
و هذا البيان الّذي ذكرناه نحن هنا للتمسّك بالسيرة يختلف جوهريا عن البيان المألوف بين الأصحاب، و هو التمسّك ابتداء بالسيرة العقلائية غير المردوعة شرعا و لنذكر هنا ثمرتين تترتّبان على الفرق بين التقريبين:
الأولى - أنّه قد يقال في مقام تدقيق النّظر في قيام السيرة العقلائية على حجّية خبر الثقة بأنّ عمل العقلاء بخبر الثقة لم يثبت كونه بعنوان الحجّية، بل لعلّه تارة يكون بملاك حصول الاطمئنان، و أخرى بملاك الاحتياط، و ثالثة من باب عدم الاهتمام بالغرض أزيد من كاشفيّة خبر الثقة، و نحو ذلك ممّا قد يتصوّر في المقام. و الثمرة التي تترتّب في المقام على التقريب الّذي بيّناه أنّ هذا الإشكال لو تمّ على تقريب القوم لا يتمّ على تقريبنا، إذ نحن لم ندّع ابتداء السيرة العقلائية، بل انطلقنا من نقطة العلم بالجامع بين الأمور الثلاثة، و هذا يعني أنّنا نكتفي بفرض مجرّد الحيرة و التبلبل بالنسبة للعمل بخبر الثقة في الأحكام و حجّيته، و لا إشكال في أنّ طبيعة العقلاء - على الأقل - تكون بنحو يوجب مثل هذه الحيرة و التبلبل لدى أصحاب الأئمّة عليهم السّلام ممّا يكفي لكثرة السؤال و الجواب.
و الثانية - أنّ توهّم ردع السيرة بالآيات الناهية عن العمل بالظنّ الّذي قد يورد على ما ذكره الأصحاب من التمسّك ابتداء بالسيرة العقلائية لا مجال لإيراده على التقريب الّذي ذكرناه فبغض النّظر عمّا مضى من عدم دلالتها على نفي حجّية الظن و لو كان ظنّا قياسيا نقول: إنّها لا تصلح للردع عن مثل هذه السيرة، إذ لو صلحت لذلك لحصل الارتداع بحسب الخارج و لما كانت سيرة أصحاب الأئمّة على العمل بخبر الثقة مع أنّنا قد أثبتنا انّه كانت سيرتهم على العمل به، و ليس من المحتمل قيام سيرتهم على ذلك عصيانا و كيف يصلح مثل إطلاق آية أو آيتين مشكوكة الدلالة في نفسها للردع عن