مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٧٠٥
أو لأنّ العلم الإجمالي يوجب بنفسه الامتثال القطعي ما لم يحرز عدم الاهتمام من المولى بغرضه بسبب التزاحم مع التسهيل مثلا. أمّا حينما يدلّ دليل نفي العسر و الحرج على عدم جعل الاحتياط، فهو يدلّ عرفا على نفى منشأه و هو الاهتمام بالغرض لدى التزاحم بمصلحة الترخيص و مع ثبوت نفي الاهتمام لا يبقى مجال لحكم العقل بوجوب الاحتياط.
و ثالثا - أنّ كلّ واحد من التكاليف المحتملة و إن لم يكن الإتيان به بنفسه حرجيا لكن الإتيان به في ظرف الإتيان بالآخر حرجيّ. فمثلا إذا اضطرّ إلى شرب أحد الماءين و هو يعلم بنجاسة أحدهما بالخصوص، و إن لم يكن في نفسه حرجيا عليه، و لكن تركه في حال ترك الآخر حرجيّ عليه، و عندئذ إن كان تركه للآخر بمجرد اشتهاء نفسه من دون وجود حكم عقليّ ناشئ من ناحية الحقّ المولوي و الحكم الشرعي لم يفت أحد من الفقهاء بجواز شربه لهذا الماء بمجرّد الحرج، مثاله ما لو علم بنجاسة أحدهما بالخصوص لا بنحو الإجمال فترك الآخر الّذي هو طاهر اشتهاء فهنا لا يفتى في الفقه بجواز شربه للماء النجس و لو فرض إراقته للماء الآخر مثلا. و وجه ذلك واضح بناء على كون القاعدة نافية للحكم الضرري، أو الحرجي، أو الضرر و الحرج الناشئين من الحكم فان الضرر عندئذ لا يسند عرفا إلى حكم الشارع، لأنّ الشارع إنّما أوجب عليه الجامع بين حصتي ترك هذا الماء أي الترك المقرون بترك الآخر، و الترك المقرون بشرب الآخر، و هو أعدم إحدى الحصتين باشتهاء نفسه و حصر قدرته في الحصة الأخرى الحرجيّة فصار امتثال الجامع حرجيا عليه [١].
[١] لا ينبغي الإشكال في أنّه بعد إراقة الماء الطاهر تكون حرمة شرب النجس عليه حرجيّة و يسند الحرج إلى الحكم عرفا، و لكن مع هذا لا تجري في ذلك قاعدة نفي العسر و الحرج لأنّ جريانها لا يؤمنه من العقاب، لأنّ حرمة شرب النجس كانت فعلية عليه من قبل إراقة الماء الطاهر، فلو شرب الماء النجس بعد الإراقة فقد خالف حكما كان آنا مّا فعليا و غير حرجي عليه،