مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٠٥
و ثالثا - إنّه قد لا تكون ما نراها من سيرة المتشرعة سيرة لهم في الأصل بما هم متشرعة [١] بل اتفقوا عليها لأمور أخرى غير الشرع بعد أن كان الشرع على خلاف ذلك، فكان عمل بعضهم لأجل الغفلة، و بعضهم لأجل النسيان، و بعضهم جريا على ذوق العقلاء، و البعض الآخر تقصيرا و هكذا. ثم جاء أبناء هؤلاء و رأوا سيرة آبائهم على ذلك فتخيّلوا صحّة هذا الأمر فعملوا على طبقه و استمرت السيرة على ذلك. و ذلك كما في مسألة معاملة الصبيان بناء على بطلانها فإنّ في ذوق العقلاء لا يفرّق في المعاملة بين البالغ و الصبي و العاقل. و اتفقت سيرة المسلمين على معاملته لا بما هم متشرعة كيف و مشهور العلماء يرون البطلان؟ بل لأمور متفرّقة من الجري على طبق الذوق، و الجهل بالمسألة، و الغفلة، و النسيان، و عدم المبالاة بالدين، و القصور، و التقصير، ثم جاء أولادهم و رأوا أنّ السيرة قائمة على معاملة الصبيان فجروا عليها.
[١] كأنّ هذا الوجه ليس إشكالا على أصل اكتشاف ثبوت السيرة في زمن المعصوم، و إنّما هو إشكال على اكتشاف كونها سيرة لهم بما هم متشرّعة كي تكشف عن حكم الشرع من باب اكتشاف العلة عن طريق المعلول الّذي هو ميزة سيرة المتشرّعة - على ما سيأتي (إن شاء الله) في بحث المرحلة الثانية - فتكون قوّة هذه السيرة كقوّة السيرة العقلائية لا المتشرّعة. و لكن لا يخفى أنّ سيرة المتشرّعة لو ثبتت و لو لم تكن بها هم متشرّعة فهي تمتاز عن سيرة العقلاء بما هم عقلاء بأنّنا لسنا في مقام إثبات إمضائها شرعا بحاجة إلى مقدّمة أنّه لو ردع عنها لوصل الردع إلينا، بل نفس ثبوتها و استمرارها في زمن الشرع دليل على عدم الردع، إذ لو ردعت لانهدمت.
ثمّ إنّ ما ذكره (رحمه اللَّه) كنكتة لاكتشاف السيرة المعاصرة لزمن المعصوم عن طريق السيرة المعاصرة لزمننا بالنسبة لسيرة المتشرّعة يمكن ذكره أيضا بالنسبة للسيرة العقلائية، فيقال أيضا:
إنّ تحوّل السيرة العقلائية من النقيض إلى النقيض غريب، و عدم نقل ذلك لنا أيضا غريب.
و يأتي هنا الجوابان الأولان من الأجوبة التي ذكرها (رضوان اللَّه عليه) فيقال: أوّلا - إنّ التحوّل إنّما يكون غريبا لو كان تدريجيا و لم يكن دفعيّا. و ثانيا: لئن كان التحوّل في السيرة من النقيض إلى النقيض غريبا فليس من الغريب افتراض أنّ سيرة مّا لم تكن منعقدة بين عقلاء صدر التاريخ ثم تكوّنت بالتدريج.