مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٩٠
و بما أنّ هذا البناء من قبل العقلاء، يشكّل خطرا على أغراض الشارع يكون عدم ردعه عنه دليلا على إمضائه. و فعلية هذه السيرة و خطرها على أغراض الشارع إن كانت متأخرة من زمن الشارع فهذا لا يمنع عن لزوم الردع عنها على تقدير عدم رضاه بها. فإنّ الالتفات إلى أنّه سيكون أمر من هذا القبيل، أو على الأقل احتماله أمر طبيعي، و ليس الردع عن ذلك من باب إعمال العلم بالغيب كي يقال: إنّ الأئمة عليهم السلام إنّما كانوا يبلّغون الأحكام بالطريقة المتعارفة. هذا مضافا إلى أنّه قد تحقّقت هذه السيرة، و تحقّق الخطر بالفعل في زمن المعصوم عليه السلام إذ أنّ المتشرّعة كانوا يعملون بظواهر النصوص المأثورة عن المعصومين الأوائل - عليهم السلام - مع أنّ الفاصل الزمني بين رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و الهادي و العسكري عليهما السلام فاصل طويل، و تلك الفترة الزمنيّة فترة متطوّرة من النواحي الاجتماعيّة و الفكريّة و المادّيّة، و عامرة بالعلوم المختلفة، و متحرّكة في شتى النواحي و الجهات و لم تكن فترة راكدة، و بالرغم من ذلك كان المتشرّعة يعملون بظواهر الكتاب و السنّة الواصلة إليهم من أيّ واحد من المعصومين بنهج واحد بلا رادع و لا مانع من قبل الأئمة - عليهم السلام -، و عدم الردع دليل الإمضاء. و ليس هذا إمضاء لأصالة الثبات في المقدار الثابت في زمن المعصوم من احتمال التطوّر فقط حتى يقال: إنّ التطوّر في اللّغة قد اشتدّ في زماننا بطول المدّة، بل هذه السيرة سنخ سيرة يكون السكوت عنها إمضاء لنكتتها. و لا نعني بإمضاء النكتة إمضاء خطأ العقلاء في تخيّلهم أنّ المدّة الطويلة كالمدّة القصيرة في الثبات النسبي للّغة، كي يقال: إنّه لا يعقل من الشارع إمضاء الخطأ، و إنّما نعني بإمضائها البناء على أصالة عدم التغيّر التي هي النكتة لعملهم و إمضاؤها لا يلزم إمضاء مبانيها، فمبانيها و إن كانت خاطئة لكن الشارع رأى بحكمته البالغة أنّ إرجاع الناس إلى أصالة عدم التغيّر أصلح من إرجاعهم إلى مرجع آخر فأمضى الأصل.