مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٠٣
و يرد عليه: إنّ ما ذكر من الحدس بأنّ هذه السيرة العقلائية ناشئة من القريحة العامّة في تمام العقلاء غير تام، و ذلك لأنّه كما تكون بين الأجيال الحاضرة و الأجيال الماضية جهة اشتراك كذلك تكو ن بينهما جهة امتياز في ظروفهم و معايشهم و حاجاتهم و خصوصياتهم الاجتماعية، فكما يحتمل أن تكون السيرة ناشئة من جهة الاشتراك كذلك يحتمل كونها ناشئة من جهة الامتياز [١].
و أمّا ما ذكر من استبعاد انقلاب السيرة خصوصا مع عدم وصول أيّ نقل إلينا لذلك، رغم غرابته، فيرد عليه:
أولا - إنّ هذا الانقلاب إنّما يكون غريبا لو حصل بين عشيّة و ضحاها، أمّا إذا حصل بالتدريج فهو من الأمور الاعتيادية المتعارفة. مثلا قد نفرض أنّ السيرة في زمن الإمام عليه السلام كانت على الجهر في صلاة ظهر الجمعة لوجوبه مثلا، و لكن ورد من الإمام عليه السلام خبر ظاهر في عدم الوجوب و لم يكن ظاهره مرادا، و بعد مضي مدّة على تلك السيرة رأي أحد العلماء الخبر الدال على عدم الوجوب، و قال إنّ السيرة القائمة على الجهر لا تدلّ على الوجوب لملاءمتها للاستحباب فأفتى بجواز الإخفات، و تبعه مقلّدوه في ذلك، و اختار
[١] لا يخفى أنّ السيرة العقلائية كثيرا ما يمكن لنا بما نحن عقلاء أن نحدس منشأها و أساسها، فإذا حدسنا المنشأ و الأساس و رأيناه من الجهات المشتركة أي مما لا يحتمل وقوع تغيّر فيه بلحاظ الفوارق الحاصلة بين الأجيال بسبب مرور الزمان ثبت أنّ السيرة العقلائية كانت محقّقة في زمان الإمام عليه السلام، مثلا بالنسبة للعمل بخبر الثقة إن ثبتت في زماننا سيرة عقلائية عليه فهي بسبب أنّ درجة كشفه النوعيّ عن الواقع إذا قيست بدرجة اهتمام العقلاء في الغالب بأغراضهم ناسبت الالتزام بالعمل بخبر الثقة. و نحن لا نحتمل اختلاف زمان الأئمّة عليهم السلام عن زماننا في ذلك و كذلك بالنسبة لقيام السيرة العقلائية على العمل بالظهور القائمة على أساس عدم وجود طريق آخر أفضل منه لتنظيم التفاهمات و تناسب الالتزام به لدرجة الاهتمام بالأغراض لا نحتمل الفرق في ذلك بين زماننا و زمان المعصوم عليه السلام و هذا في الحقيقة طريق سادس لكشف السيرة في زمان المعصوم غير الطرق الخمسة التي بينها رضوان اللَّه عليه.