مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٤٦
الاستدلال بالسيرة العقلائيّة:
و أمّا السيرة العقلائية: فالذي ادعاه الأصحاب - قدّس سرّهم - في المقام هو أنّ العقلاء قد قامت سيرتهم على الحجّية التعبّديّة للظهور و أنّ الشارع قد أمضى ذلك.
و نحن نتكلم تارة في الجملة الأولى من كلامهم، و أخرى في الجملة الثانية منه:
أمّا الجملة الأولى - و هي قولهم: إنّ سيرة العقلاء قامت على الحجيّة التعبّديّة للظهور. فالمراد من ذلك أحد أمرين:
الأول - ما لعلّه الظاهر من كثير من كلماتهم و هو أنّ العقلاء يعملون دائما في أمورهم المعاشيّة و مقاصدهم و أغراضهم التكوينية على طبق الظهور. فترى أنّ من يسأل الطبيب عن دوائه و يفتيه بشيء مّا لا يعتني باحتمال إرادة الطبيب خلاف الظاهر، و لا يقتصر على النص الصريح من الطبيب المصون عن احتمال الخلاف، بل يعمل بظواهر كلامه. و كذلك من يراجع المهندس، أو الصديق، أو من هو طرف له في معاملة مّا، أو أيّ شخص آخر في أيّ حاجة من حاجاته يبني على ظاهر الكلام. و على هذا قام أساس معاش الناس و أغراضهم.
و لكن هذا الوجه في غاية الضعف إذ أنّ هذا العمل غير مرتبط بجعل الحجيّة أصلا، و ليس العاقل يجعل حجّية لظاهر كلام الطبيب، أو المهندس، أو غيرهما حتى يعمل به، و انّما يعمل بالظواهر باعتبار مقدار أهميّة أغراضه و درجة محرّكيّتها له. فإذا كان غرضه في غاية الأهميّة بحيث يحرّكه نحو سدّ باب الاحتمال الضعيف للفوت عمل بالاحتياط، و إذا كان بمستوى لا يحرّكه إلى أكثر من العمل بالظاهر، و لا يجد به نحو مراعاة احتمال خلاف الظاهر عمل بالظاهر بلا حاجة إلى جعل حجيّة له. و إنّما