مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٠٤
كثير منهم الإخفات عملا لسهولته مثلا، أو من باب اختيار أحد فردي التخيير، أو لأيّ داع من الدواعي الاتفاقية و غيرها. ثم كثر المخفتون اجتهادا و تقليدا بالتدريج، و بعد مضي فترة من الزمن استفاد أحد العلماء من الجمع بين الأخبار عدم استحباب الجهر و مساواته للإخفات فسبّب ذلك زيادة المخفتين، و كانوا يزدادون يوما بعد يوم إلى أن جاء من العلماء من استفاد من الجمع بين الأخبار و علاج المعارضة الموجودة في ما بينها وجوب الإخفات، و أوجب هذا إقبال الناس إلى الإخفات إلى أن استقرت سيرة المتشرعة طرّا على الإخفات. فهذه السيرة لا تدلّ على ثبوت مثلها في زمن الإمام، و بالتالي على جواز الإخفات أصلا. و لا غرابة في مثل هذا الانقلاب التدريجي و تبدّل السيرة بالتدريج إلى سيرة أخرى نقيضها، بل قد اطلعنا على وقوع مثل ذلك في الفقه، و ذلك في مسألة نزح ماء البئر إذ كانت السيرة على ذلك عند القدماء و انقلبت السيرة بالتدريج إلى السيرة على نقيض ذلك، فليكن مثل الإخفات في صلاة ظهر الجمعة من هذا القبيل.
و ثانيا - إنّه لو سلمنا غرابة انقلاب السيرة إلى ضدّها قلنا: من الممكن أنّه لم تكن في زمن الإمام عليه السلام سيرة قائمة على أحد الطرفين بل كان الحكم مختلفا فيه، و بعد ذلك استظهر العلماء من الأخبار أحد الطرفين و تبعهم الناس و حصلت السيرة كما هو الواقع في الإخفات في صلاة ظهر الجمعة على ما يظهر من بعض الأخبار حيث يقول فيه السائل للإمام عليه السلام: (إنّ بعض أصحابنا يقول بالجهر و بعضهم بالإخفات فما ترى في ذلك؟) [١].
[١] لم أر حديثا بهذا الشكل و لعلّه (رحمه اللَّه) يشير إلى ما عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: قال: لنا: صلّوا في السفر صلاة الجمعة جماعة بغير خطبة و أجهروا بالقراءة فقلت: إنّه ينكر علينا الجهر بها في السفر فقال: اجهروا بها«»