مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٧٣
و التحقيق: رغم ذلك كلّه هو الالتزام بحجّيّة الأخبار المخالفة للكتاب بالعموم و الخصوص المطلق، و ذلك لأنّ هذا الحديث مخصّص بصحيحة الراوندي، و هي التي رواها الراوندي بسند تامّ عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللَّه قال: «قال الصادق عليه السلام: إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب اللَّه، فما وافق كتاب اللَّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللَّه فردّوه. فإن لم تجدوهما في كتاب اللَّه فاعرضوهما على أخبار العامّة، فما وافق أخبارهم فذروه، و ما خالف أخبارهم فخذوه»«».
فإنّ الظاهر من هذه الصحيحة أنّ كلّ واحد من الحديثين - بقطع النّظر عن التعارض - كان حجّة، و إلاّ لما كان التعارض موجبا للتحيّر، و لم تكن حاجة إلى تحكيم الكتاب و أخبار العامّة و رفع التحيّر بذلك، ك ما هو ظاهر الصحيحة. فقد دلّت هذه الصحيحة على حجّيّة الخبر المخالف للكتاب في الجملة بغض النّظر عن خبر آخر معارض له، و هي لا تدلّ على أزيد من حجّية الخبر المخالف للكتاب بالأخصيّة و ما يشبهه ممّا يصلح للقرينيّة، و لا تشمل مثل المخالفة بالعموم من وجه. إمّا لأنّها قضيّة مهملة، إذ ليست بصدد بيان الحجّية حتى يكون لها إطلاق، و المهملة في قوّة الجزئيّة، فلا بد من الاقتصار على القدر المتيقّن و هو ما ذكرناه، أو لأنّها بنفسها قضيّة جزئيّة
- أمّا ما هو الصحيح من هذه الاحتمالات الثلاثة، فقد كان مختار أستاذنا الشهيد - رحمه اللَّه - في بحث التعادل و التراجيح حين حضرته هو الاحتمال الأوّل، فإنّ تقييد مخالفة الكتاب بأمر زائد من فرض الحجّية اللولائية أو الاقتضائية بحاجة إلى مئونة زائدة، و لكن جاء في كتاب تعارض الأدلّة ترجيح الاحتمال الثاني، لأنّ الأمر بطرح ما خالف الكتاب ظاهر في توجيه المكلّف نحو العمل بالكتاب و هذا إنّما يناسب فرض حجّية الكتاب لو لا الخبر المخالف.
أمّا أخذ قيد إضافي و هو تماميّة مقتضى الحجيّة رغم الخبر المخالف فبحاجة إلى إعمال مئونة زائدة مفقودة في المقام.