مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٢٥
...
أقول: ما أفاده أستاذنا الشهيد - رحمه اللَّه - من انحلال الجزء بما هو معلّق أو انحلال كلّ القضية صحيح، إلاّ أنّ هذا لا علاقة له بالإشكال الّذي طرح في المقام، فبإمكان صاحب الإشكال أن يقول: إنّ هناك انحلالين: الأوّل - انحلال لجملة الجزاء بلحاظ تعليقها على الشرط، أي أنّ كلّ فرد من أفراد مجيء فاسق بنبإ يترتّب عليه الجزاء و هو قوله: (تبيّنوا)، و الثاني انحلال الحكم في الجزاء بانحلال موضوعه، فمثلا لو قال: إن رزقت ولدا فتصدّق على الفقراء، فرزق كلّ واحد من الولد الأول، و الثاني، و الثالث... إلخ يترتّب عليه وجوب التصدّق على الفقراء، و هو الانحلال الأول، ثم وجوب التصدّق المرتّب على أيّ واحد من أفراد الولد ينحلّ بعدد الفقراء، و هو الانحلال الثاني، و الإشكال لا علاقة له بالانحلال الأوّل، و إنّما ينبع من الانحلال الثاني فيقال: إنّ المعلّق على كلّ فرد من أفراد مجيء الفاسق بنبإ هل هو التبيّن عن كلّ خبر، أو هو التبيّن عن خبر الفاسق؟ فعلى الأوّل يلزم التبيّن عن خبر العادل أيضا بسبب مجيء الفاسق بنبإ، و هو غير محتمل، و على الثاني يكون المفهوم سالبة بانتفاء الموضوع.
و الصحيح في الجواب أن يقال: إنّه إذا كان موضوع الجزاء ضميرا يرجع إلى موضوع في جملة الشرط، أو ما بحكم الضمير من قبيل لام العهد و نحوه، فمقتضى نظام اللّغة أن ينطبق المرجع و ضميره على فرد واحد في غير موارد الاستخدام، فلو قال: إن جاءك رجل فأكرمه، لا يصحّ أن يقال: إنّ هذا يعني إن جاءك رجل فأكرم رجلا، أي إن جاءني رجل جاز لي الاكتفاء بإكرام رجل آخر. و لو قال: العالم إن صلّى صلاة اللّيل فأكرمه لا يصحّ أن يقال: إنّ الواجب عند ما يصلّي عالم واحد صلاة الليل هو إكرام كلّ العلماء حتى غير المصلين صلاة اللّيل بحجّة أنّ الضمير رجع إلى العالم، و العالم ينطبق على كلّ فرد من أفراد العلماء. و عليه ففي المقام حينما رجع (تبيّنوا) إلى النبأ المذكور في الشرط بقوله: (إن جاءكم فاسق بنبإ) فبمقتضى نظام اللّغة يجب أن يكون ما يتبيّن عنه متّحدا مع ما يجيء به الفاسق. و عليه فالشرط في المقام ليس مقيّدا فقط للحكم في الجزاء و هو الوجوب، بل مقيد أيضا لموضوعه أي متعلّق المتعلّق، فكما أنّ الوجوب مشروط بمجيء الفاسق كذلك النبأ الّذي يتبيّن عنه إنّما هو نبأ الفاسق.
و الشرط إذا انتفى فتارة لا ينتفي بذلك موضوع الجزاء، أعني متعلّق المتعلّق كما في (إن رزقت ولدا فتصدّق على الفقراء). و هنا لا إشكال في ثبوت المفهوم، و أخرى ينتفي به الموضوع الثابت قبل التعليق على الشرط كما في (إن رزقت ولدا فاختنه)، فإنّ الولد موضوع للختان سواء جيء بأداة الشرط، أو قيل اختن الولد. و هنا لا إشكال في عدم المفهوم، و ثالثة ينتفي به قيد الموضوع الّذي لم يكن قيدا له لو لا الشرط، و إنّما صار قيدا بالتقدير الشرطي بإضافة النكتة التي بيّنّاها