مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٧٤
توجد فيها قرينة على عدم إرادة مثل المخالفة بالعموم من وجه، و ذلك لأنّ المخالف بالعموم من وجه للكتاب في نفسه غير حجّة بقطع النّظر عن خبر آخر معارض له، إذ هو مبتلى بمعارضة الكتاب، فيسقط عن الحجّية و لو من باب تساقط كلا المتعارضين عن الحجّية. و قد قلنا: إنّ ظاهر الصحيحة أنّ كلاّ من الحديثين لو لا الآخر لكان حجّة.
ثم إنّ السيرة العقلائية القائمة على العمل بهذا الحديث لصحّة سنده غير مردوعة بما مضى من صحيحة جميل، إذ ليست هذه الصحيحة خلاف الكتاب، إذ لم يدلّ الكتاب على عدم حجّيّة خبر مخالف للكتاب، فكلّ من الصحيحتين حجّة، نأخذ بكلتيهما و نقيّد الأولى بالثانية، لاختصاص الثانية بالمخالف بنحو القرينيّة، فيتحصّل من ذلك أنّ كلّ خبر خالف الكتاب إن كان بنحو يصلح للقرينية، كالخاص بالنسبة للعام، فهو حجّة، و يقدّم على ظاهر الكتاب. و إن كان مخالفا للكتاب بمثل العموم من وجه، فهو غير حجّة، و يطرح و يؤخذ بالكتاب، لا أنّه يتساقط هو مع الكتاب بالتعارض عن الحجّية [١].
[١] و هناك وجوه أخرى للردّ على الاستدلال بصحيحة جميل لإسقاط الخبر المخالف للكتاب بمثل الأخصيّة عن الحجّية.
الأوّل - أن يقال: إنّ المقصود بصحيحة جميل نفي الصدور لا نفي مجرّد الحجّية، و ذلك بقرينة قوله: (إنّ على كلّ حقّ حقيقة و على كلّ صواب نورا) فكأنّه يقول: إنّ ما ليس عليه النور ليس حقّا و صوابا، و هذا يعني نفي الصدور و الصدق، لا مجرّد نفي الحجّية، و عليه لا بدّ من حمله على مثل المخالفة التباينية، إذ لا شكّ إجمالا في صدور المخالف بمثل الأخصيّة عنهم عليهم السلام.
و قد أورد أستاذنا الشهيد في بحث التعادل و التراجيح على تفسير هذا الحديث بنفي الصدور بقرينة قوله: (إنّ على كلّ حقّ حقيقة و على كلّ صواب نورا) بأنّ هذه العبارة لا تعني ملازمة دائميّة بين الحقّ و النور، و إنّما هي تعبير عرفي، حيث تعارف القول بأنّ الحقّ واضح و أنّ الكلام الصادق تبدو أماراته، و هذا لا يعني الملازمة الدائمية بين الصدق و ظهور أماراته. و يشهد لذلك قوله في صدر الحديث: (الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة) فإنّ ما خالف