مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٧٠
بالقرينة، و لكن ببرهان آخر:
و هو إنّ الأصول العقلائية تكون بحسب طبع العقلاء و ارتكازهم، و باعتراف الأصحاب أصولا معتبرة بما لها من الكشف لا أصولا تعبّدية صرفة. و من الواضح أنّ عدم صدور القرينة المنفصلة على الخلاف إنّما حصل الظنّ به من ناحية نفس ظهور الكلام و غلبة مطابقته للواقع، فلو لا ظهور العام في العموم مثلا و غلبة مطابقته للواقع لكان احتمال صدور الخاصّ و احتمال عدم صدوره متساويين، و الّذي رجّح احتمال عدم صدور الخاصّ إنّما هو صدور العام، إذن فالكشف إنّما هو لنفس الظهور الّذي شكّكنا في وجود قرينة منفصلة على خلافه، و لا كاشفية إطلاقا في الرتبة السابقة على ذلك لأصالة عدم القرينة المنفصلة، فلو افترضنا أنّ العقلاء يجرون في الرتبة السابقة على حجّية الظهور أصالة عدم القرينة لكان معنى ذلك أنّ أصالة عدم القرينة أصل تعبّدي محض لديهم. و هذا خلاف دأب العقلاء في أصولهم العقلائيّة.
و حاصل الكلام إنّه لا توجد لدينا نكتتان مستقلتان كلّ منهما توجب الظنّ النوعيّ بشيء كي يفترض وجود أصلين عقلائيين: أصالة عدم القرينة، و أصالة الظهور. و إنّما هناك نكتة واحدة هي الظهور توجب الظنّ بأنّ المتكلم أراد ما هو الظاهر من الكلام، و لم يرد خلافه معتمدا على قرينة منفصلة. إذن فالأصل العقلائي هنا منحصر بأصالة الظهور نتمسّك بها ما لم نعلم بالقرينة المنفصلة على الخلاف.
إذن فالوجه الثالث من الوجوه الثلاثة التي أشرنا إليها في مستهل البحث و هو كون موضوع الحجّية عبارة عن الظهور التصديقي زائدا عدم القرينة المنفصلة على الخلاف باطل. و بعد إبطال هذا الوجه بقي الأمر دائرا بين الوجه الأول و هو كون الموضوع الدلالة التصوّرية زائدا عدم العلم بالقرينة، و الوجه الثاني و هو كون الموضوع الدلالة التصديقية زائدا عدم