مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٩٦
أمّا السيرة فلا يمكن إثبات حجّيّة الخبر الحدسي بها سواء قرّبناها بالتقريب المشهور، أو قرّبناها بالتقريب الّذي اختصصنا به.
أمّا التقريب المشهور و هو أنّ العقلاء في كلّ زمان و مكان يعتمدون على خبر الثقة و يعملون به، و لم يردع الشارع عنه، فاختصاصه بالإخبار عن حسّ واضح، فإنّ سيرة العقلاء على ذلك مرجعها إلى هذا الارتكاز العقلائي العام الّذي نجده في أنفسنا، و لا نشكّ في أنّ هذا الارتكاز مختص بالخبر الحسّي. و أمّا الخبر الحدسيّ فالمرتكز هو عدم الاعتماد عليه بما هو خبر و إن كان المرتكز الاعتماد عليه للعاميّ بما هو فتوى من باب رجوع الجاهل إلى العالم، فنحن لسنا جازمين بشمول السيرة بهذا المعنى للخبر الحدسيّ و لا شاكّين في ذلك، بل جازمون بالخلاف.
و أمّا التقريب الّذي اختصصنا به، و هو أنّ أصحاب الأئمّة إمّا كانوا يعملون بما كان داخلا تحت ابتلائهم من أخبار الثقات، أو لا. و على الثاني إمّا أنّهم سألوا المعصوم عليه السّلام عن حكمه و أجابهم الإمام بالنفي، أو لا. و على تقدير الإجابة بالنفي إمّا أنّه وصلنا الجواب، أو لا. و جميع الشقوق الأخيرة باطل بالبيان الّذي أسلفناه فتعيّن الأول، فأيضا لا يثبت أكثر من حجّيّة الخبر الحسّي، فإنّ الّذي كان داخلا تحت ابتلائهم و كان عليه مدار الاستنباط كانت أخبارا حسّية، و الخبر الحدسيّ لم يكن داخلا تحت ابتلائهم بما هو خبر [١] و إن كان داخلا تحت الابتلاء بما هو فتوى.
و أمّا السنّة فقد مضى أنّ حجّيّة خبر الثقة تثبت من السنّة بحديث (العمري و ابنه ثقتان) وحده، أو بضمّ أحاديث أخرى إليه، و لو كان قد اقتصر في هذا الحديث على قوله: فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان، أمكن القول
[١] لعلّ المقصود: إنّ الخبر الحدسي بما أنّ حجيّته بما هو خبر مرفوضة في نظر العقلاء فلا يوجد حتى التحيّر و الشكّ لديهم حوله، فعدم كثرة السؤال و الجواب ليس غريبا.