مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٥٢
و منها - أنّ هناك طريقا للاستدلال على ثبوت السيرة في زمان الإمام بالسيرة المتأخرة و هي أنّه لو فرض انقلاب السيرة بأن كان عمل الشيعة مثلا في ظهر الجمعة على الجهر، و في زماننا قامت السيرة على الإخفات لكان هذا الانقلاب من العجائب، و لكان ينقل ذلك في الكتب. و هذا البيان في مثل قراءة ظهر الجمعة غير صحيح، إذ لو فرض الانقلاب فهو ليس انقلابا بين عشيّة و ضحاها، بل حصل هذا الانقلاب بالتدريج في خلال أمد بعيد فوجد أولا مخالف واحد، و بعد مدّة لاحظ شخص آخر الأخبار فرأى أنّ الصحيح هو ما ذهب إليه هذا المخالف، و هكذا إلى أن حصل الانقلاب بالتدريج، على أنّه ليس من اللازم كون الانقلاب من وجوب الجهر إلى حرمته ابتداء حتّى يبدو الاختلاف بنحو فاحش، بل المخالف الأول لعلّه أظهر الاستحباب إلى أن جاء شخص آخر فناقش في دليل الاستحباب و قرّب التخيير إلى أن جاء من قرب الكراهة، ثمّ بعد ذلك قيل بالحرمة مثلا.
و لكن هذا البيان تامّ في ما نحن فيه من دون أن يرد عليه هذا الإشكال، فإنّ الأمر دائر بين الوجوب و الحرمة فإنّ الخبر مع الواسطة لو كان حجّة فالعمل به واجب، و إلاّ فالعمل به غير جائز، و الفترة الّتي يفرض حصول الانقلاب فيها يسيرة فإنّ المفروض أنّ في زمان الأئمّة أي إلى أواخر المائة الثانية و أوائل المائة الثالثة كانوا يتركون العمل بالخبر مع الواسطة، بينما الكليني الّذي هو قريب من زمان الأئمة و ولد في زمان الإمام، و عاصر النّواب، و مات بعد الغيبة الصغرى بقليل يذكر في أول كتابه: أنّي أجمع هذه الروايات لكي تكون مدارا لاستنباط الأحكام الشرعيّة. و جاء بعده الصدوق فذكر في مقدّمة كتابه مثل ذلك، فكيف يفترض انقلاب السيرة في فترة قصيرة كهذا، و بحيث يذكر الشيخ الطوسي الّذي جاء بعد هذه الفترة في كتاب العدّة ناظرا إلى هذه الفترة و فترة زمان الحضور ضمن الزمان الطويل الّذي ينظر إليه: إنّ الأصحاب إلى يومنا هذا عصرا بعد عصر مطبقون على العمل بهذه الأخبار.